الصحابة, والمنافقون, واعداء الدين. سيرة, ونقد, بإختصار
◄ بداية:- الصحابة فيهم أتقياء وأولياء لله صالحين واكثرهم مغمورين جنودا للحق مجهولين,- وفيهم كثير غير ذلك منافقون,- ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ)), منهم, اي أن بعضهم كان مسلما ولم يكن مؤمنا, وبعضهم كان كافرا ومنافقا لرسول الله, ومنهم من انقلب على عقبيه بعد وفاة الرسول, أصلي وأسلم عليه,- ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)),- ورضا الله تعالى ليس مطلقا، لوجود النكث: ((إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)),-
↵ أما في حياة الرسول, فقد كانت طائفة من الصحابة يبدلون أقواله بمجرد أن ينصرفوا من عنده: ((وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً))النساء81,- وفي الصحابة منافقين مردوا فأتقنوا التمثيل بحيث لم يكن الرسول يعلمهم الله يعلمهم: ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ))التوبة101,- وكان منهم من يتهرب من الرسول ويتهكم عليه: ((وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ))محمد16,- ومنهم من يتركونه لأجل عرض من الدنيا: ((وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ))الجمعة11,- ومنهم من يتخلف عن الجهاد معه: ((وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ))التوبة49,- ومنهم من يتخلف غن القتال ويرغب بنفسه عن نفس رسول الله: ((مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ))التوبة120,- ومنهم من يكذب ويقول بيوتنا عورة حتى لا يقاتل مع الرسول دفاعا عن المدينة: ((وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا))الأحزاب13,- ومنهم من يروج للفاحشة ويرجم المحصنات المؤمنات الغافلات: ((إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ))النور15,- ومنهم من يحادد الله ورسوله: ((وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ))التوبة107,-
↵ وكل هؤلاء لم يكن الرسول يعرفهم جميعهم وإن كان يعرف البعض, بينما فقهاء الحديث أراحوا أدمغتهم وقالوا بأن كل الصحابة عدول وأن مئات الآيات تتحدث فقط عن نفاق ابن سلول وثلة قليلة معه,- ولئن كان النفاق قد نجم في عهد رسول الله, فما بال أقوام يرفضون وجوده من بعده.؟,- على أن رسول الله لم يُخدع بالمنافقين وبمخططاتهم فهدم مسجدهم ولم يخرجهم معه للقتال ولم يصل على أحد منهم مات, ولم يستغفر لهم, إذ كانت تعليمات السماء تترى تنبه, وتدل وتنير طريق المسلمين وفكرهم, مؤَسِسَةً لهم قواعد صريحة لاكتشاف المنافقين واتخاذ الاحتياطات الضرورية للتعامل معهم والحذر منهم, فَـسوَر: المنافقين, والأحزاب, والتوبة تثري موضوع اليقظة لخطورة النفاق, ضمن قواعد معرفية, تضمن معرفة المنافق من بين أظهر المسلمين ـ قواعد وأسس ناجعة تشمل كافة إجراءات الحيطة والحذر,-
↵ هذا حال المنافقين والرسول حيٌّ بين أظهرهم,- وقبيل عام "تقريباً" من وفاته كانت غزوة تبوك ونزول سورة التوبة تباعاً تنبئ عن احوال المنافقين في المجتمع الإسلامي,- فهل إرجافات المنافقين بعد إنقطاع الوحي انتهت, أم كثرت, وكادت, ومردت, وخبثت.؟,- وزعامات قريش الذين أضطروا للدخول في الإسلام عام الفتح, قريش الذين مكرهم لتزول منه الجبال, هل تنازلوا عن الزعامة.؟ هل رضوا هل أستكانوا.؟ ماذا فعلوا.؟ وماذا جنوا.؟,- وأهل الديار التي فتحث وسلبت ونهبت وسبيت وإحتللت, ماذا فعلوا, هل يعقل أنهم أستكانوا.!؟,- ويهود خيبر وبني قينقاع وبني النظير وقريظة الذين قتلوا وسلبوا وهجروا هل يقال تقوقعوا في جحورهم.؟,- ونصارى المباهلة, ويهود جزيرة العرب, سبأ وحمير ودوس واليمامة غطفان وكنانة ونجران ودومة الجندل وغيرهم .. الذين أجلاهم عمر وهجرو من ديارهم,- احقاد يهود ومكرهم ودسائسهم, أين ذهبت.؟ وبماذا ردو.؟ هل فعلوا أم استكانوا.؟,- هل خُدِعَ المسلمون بعد وفاة الرسول بالكثير من منافقي المدينة ومن حولها ومن أهل الكتاب من متعلمي وافدي اليمن, وثاقفي موالي العجم.؟,-
◄ أما بعد وفاته, أصلي وأسلم عليه,- وكما في كتب التراث, والذي مهما بلغ تواترها فلا نؤمن بصدقيتها, وننتقد الأسماء كما جاءت في التراث لا الشخص نفسه:- فبعد وفاته: ترك رسول الله ميتا بلا دفن يومين تقريباً للتصارع على الملك,- وخصومة نشبت بمجرد وفاة النبي بين أبو بكر وعمر من جانب، وعلي بن أبي طالب وفاطمة على الجانب الآخر حول الميراث والبيعة,- ونشوب القتال مع بعض القبائل التي منعت الزكاة، وقُتِل مئات الصحابة في تلك الحروب,- السماح لعصابة من فسقة السلف أن تقتل عثمان بن عفان وأن تنجوا بفعلتها,- ومن ثم التصارع على الملك بالقتل أو بالسماح بالقتل فقتل الآف من الصحابة بسيوف بعضهم البعض في معركتي الجمل وصفين, والله تعالى يقول: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً)) ــــ فكيف إذا قتله متعمدا؟!،- ((وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)),- وحسب تراثهم حكم الله عليهم بالخلود في النار,- من صحيح البخاري, تواليا:- (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر),- (من حمل علينا السلاح فليس منا),- (لا ترتدوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض),- (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار),-
↵ والمتلاعنين بعد اللعان يكون الفسق قد لحق بأحدهما من غير تعيين لأيهما، لذلك لا تقبل شهادتهما في أي قضية أخرى، ومعارك القرن الأول بين المسلمين لا حصر لها ولا عدد,- فكيف نأخذ برواية الصحابي منهم وهل هو يكون من العدول.؟، أم هو من أهل الميل.؟،- ودارت الشكوك الكبيرة في مهاجمتهم الدول وقتلهم ونهبهم وسبي النساء ووطئهن بلا عقود نكاح. وسرقة الدور والقصور باسم أنها غنائم, وتوزيع البشر والاطفال غنائم كعبيد وتشريد عائلات,- ورجموا الكعبة بالمنجنييق, وتم صلب عبد الله بن الزبير أمام الكعبة,- وندرة مودة الصحابة وكبار التابعين لأهل قرابة النبي,- وفي أمور أخرى مشتركة كانت بين منافقين وغير منافقين.... فأين كان القرآن, وأين كانت تعاليم الرسول لهم وهم يمارسون تلك الأفعال.؟,-
◄ وفي التراث مؤشرات على جرح (الصحابة),- فمن صحيح البخاري:- (ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصم الله تعالى),- وهذا الحديث يَرُدُّ على من يقول أنَّ كُلَّ الصحابةِ عُدُول, القاعدة التي تم صناعتها كأداة متممة لصناعة الحديث النبوي, القاعدة التي انتهج فيها العلماء مناهج مختلفة فلم يُتـَّفقوا على تعريف واحد,- وحين ظهر الكذب في عهده كان ظهوره دافعا إلى التشنيع بقوله في حديث متواتر: (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار),- ومن صحيح البخاري:- (قال حدثني عبد الله بن يزيد قال حدثني البراء وهو غير كذوب),- أحد الصحابة يصف صحابيا آخر (البراء بن عازب) بأنه غير كذوب, وهذا يعني ان هناك صحابة آخرين كاذبين,- ومن سنن أبي داود:- (حدثني أبو عامر أو أبو مالك، والله يمين أخرى ما كذبني، أنه سمع رسول الله يقول ليكونن من أمتي أقوام، يستحلون الحر والحرير وذكر كلاما قال يمسح منهم آخرون قردة وخنازير الى يوم القيامة قال أبو داؤد وعشرون نفساً مِن أصحاب رسول الله أو أكثر لبسوا الخَزَّ، مِنهم أنس والبراء بن عازب),- ومن صحيح البخاري:- قصة الإفك الشهيرة ضد الصديقة عائشة.. وأن الرجال في العهد النبوي كان منهم الصالح ومنهم ما دون ذلك,- ومن صحيح البخاري:- (سمعت عليا يقول بعثني رسول الله أنا والزبير والمقداد بن الأسود قال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا أخرجي الكتاب فقالت ما معي من كتاب فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ..),- إذن هي خيانة أحد الصحابة,- ومن مصنف ابن أبي شيبة:- (عن حذيفة قال: المنافقون اليوم شر من الذين كانوا على عهد رسول الله، قال قلت يا أبا عبد الله وكيف ذاك قال إن أولئك كانوا يسرون نفاقهم وإن هؤلاء أعلنوه),-
↵ وروايات لا حصر لها, وسيأتي معنا الكثير منها لاحقا,- ويكفينا الآن ما ذكره الله تعالى في كتابه عن أحوال المنافقين والمشركين والنصارى واليهود,-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◄ يهود الذين قص الله علينا من أنبائهم مرارا وتكرارا, فتعرفنا على حيلهم ومكرهم على الرسل وتحريفهم لكلام الله,- وبعد وفاة الرسول, زعم اليهود بأنهم قتلوا رسول الله بذراع شاة مسمومة, كأنتقام, وأنهم قتلوا أبا بكر بأرزة أو جذيذة,- وأخفوا تآمرهم عن طريق كعب وأبي لؤلؤة بقتلهم عمر في ليل بهيم, وقتلوا عثمان عن طريق كعب والنفر اليهود الناقمين القادمين من اليمن, وقتلوا عليا عن طريق ابن ملجم ذلك القادم من اليمن أيضا,- هم من بذروا بذور الفتن والخديعة واقتتال المسلمين والتشكيك بما لديهم بعد استيلاء الفكر التوراتي، كدين مواز على فكر المسلمين، فحصدوا الشقاق والحروب والاضطراب,- فالفتن وقتل الأنبياء وقتل المصلحين في الأرض، وتجار الحروب، والكسب الحرام... صفات رئيسة من صفاتٍ يهود وعلى مر الأيام والأزمنة,-
↵ وكان من أوائل الغازين بعد وفاة الرسول أبو السموأل الجليلي, جـاء في (الإصابـة) لابن حجر:- (أدرك الجاهلية، وأدرك النبي ولم يسلم وأسلم في عهد أبي بكر),- ثم قال ابن حجر: أن أبا مسلم الخولاني سأل أبا السموأل الجليلي: (فما حملك على الإسلام اليوم قال يا أبا مسلم إني قرأت في كتاب الله أن هذه الأمة تصنف يوم القيامة على ثلاثة أصناف صنف يدخلون الجنة بغير نجاسة وصنف يحاسبهم الله حسابا يسيرا وصنف يؤخذ بهم ما شاء الله ثم يتجاوز الله عنهم فنظرت فإذا الصنف الأول قد مضى فرجوت أن أكون من الثاني وألا يخطئني الثالث فأسلمت... وقال في الصنف الثالث أوزارهم على ظهورهم فتقول الملائكة هؤلاء عبادك كانوا يوحدونك فيقول خذوا أوزارهم فضعوها على المشركين فيدخلون الجنة)، ثم تابع ابن حجر: (كان أبو مسلم الجليلي قد بعث كعباً إلى النبي فلم يدركه),- فوصل كعب الأحبار المدينة في عهد عمر، ليبدأ هو الآخر دورا في إطفاء نور الإسلام والعمل على ملأ ثقافة المسلمين بالثقافة اليهودية تارة وبقصص مختلقة ما أنزل الله بها من سلطان,- جاء في الكنى للبخاري:- (أبو مسلم الجليلي معلم كعب الأحبار)،- ولهذا فقد أسلم الجليلي لِيُسَـلِّمَ الأمانة القذرة لكعب الأحبار فيدله على ثغرات سرية مشيراً إلى الرجال القابلين للتعاون معه، بعيداً عن عين الرقيب,- على أن النص الذي أورده أبو السموأل هو أبكر اختراق فكري يهودي للثقافة الإسلامية، نص يدعو إلى الاسترخاء المبطن وتهريم المجتمع، ويجعل دخول الجنة على التوهم والأماني،- وما كان الجليلي لِيُسْـلِمَ لولا رغبته في تأسيس مدرسته وبطانته من إعداد كعب وغير كعب إعداداً يمنحهم الخبرة الواسعة في صناعة مثل هذا الكذب القابل للتصديـق الجماهيري، وتعليمـهم الأسس والقواعد العامة لِشَـلِّ المَدِّ الإسلامي وإيقاف الحضارة العالمية الجديدة عن طريق مزيجٌ من النصوص والقصص الخرافية المزيفة,-
◄ والباحث في التراث يعاين وبوضوح مثل هذا الكم الهائل من الاختراقات الثقافية التي شوهت كتب التراث، باستيلاء الفكر التوراتي، كدين مواز على فكر المسلمين، والكثير منها على منوال دسيسة أبي السموأل, الذي بدء بتغيير الكثير من دين الإسلام مع بداية ظهورة وإنتشاره,- فكانت الطريقة/ أخذ آية, أو جزء من آية, وبناء القصص والأوهام المستساغة عليها, كما يفعل أحبار يهود وكهنة النصارى بكتبهم,- وقد غفل المسلمون عن فريضة تدبر آيات القرآن العظيم, للأسف, أو لم يتشبعوا بما لديهم, فتنطع بعضهم فبحث عن تفسير الآيات بالرأي, وقال بعضهم قد نجد لها خبر عند أهل الكتاب, فكانوا على تواصل وتبادل العلوم ليتلقفوا الإسرائليات والعقائد الفاسدة ثم تحشر بعد ذلك منسوبة الى رسول الله,- من صحيح البخاري, رواية توضح مدى النشاط اليهودي والنصراني المكثف الذي جعل المسلمين يسألون أهل الكتاب:- عن عبد الله بن عباس قال: (يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه أحدث الأخبار بالله تقرءونه لم يشب وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم ولا والله ما رأينا منهم رجلا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم),-
• ومن صحيح مسلم:- (أن أبا قتادة حدث قال كنا عند عمران بن حصين في رهط منا وفينا بشير بن كعب فحدثنا عمران يومئذ قال قال رسول الله الحياء خير كله قال أو قال الحياء كله خير فقال بشير بن كعب إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينة ووقارا لله ومنه ضعف قال فغضب عمران حتى احمرتا عيناه وقال ألا أراني أحدثك عن رسول الله وتعارض فيه قال فأعاد عمران الحديث قال فأعاد بشير فغضب عمران قال فما زلنا نقول فيه إنه منا يا أبا نُجَيْد إنه لا بأس به),- وهذا هو بشير بن كعب، الذي تخفى واجتاز حدود الجرح، بإظهاره الزهد,- وهو قد أنفرد بحديث سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ كما في صحيح البخاري، وعبارة فيه شذت بقول: (من قالها من نهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها ..),- وفي فتح الباري: (يحتمل أن يكون هذا من قوله), أي من قول بشير, وهذا يعني أن بشيراً أدرج من عنده نصاً لم يسمعه من الصحابي شداد بن أوس، ولبشير هذا أربعة تلاميذ وهؤلاء التلاميذ الأربعة حَمَّلوا أربعة وأربعين ومائة تلميذ.. وهكذا تشابهت أبواق الإعلام القديم، وأبواق الإعلام الحديث,- إنه النشاط الإعلامي اليهودي في الكوفة والبصرة خصوصاً، والذي تمخض عن وجود الإسرائيليات كحقيقة واقعة, حينما كانوا يتداولون الحديث تداولاً شفهياً حتى ما يقارب سنة 150هـ،- من صحيح البخاري:- (نظر أنس إلى الناس يوم الجمعة فرأى طيالسة فقال كأنهم الساعة يهود خيبر),- وكان ذلك في مسجد البصرة, ويدل على اختراق كبير لدين المسلمين بدء مبكرا,-
• ومن سنن الترمذي:- (أن ابن عباس وعمرو بن العاص اختلفا في قراءة هذه الآية وارتفعا إلى كعب الأحبار في ذلك فلو كانت عنده رواية عن النبي لاستغنى بروايته ولم يحتج إلى كعب),- وهذا الخبر إن صح من أن ابن عباس وابن عمرو قد اختلفا في قراءة حمئة، فالأمر إلى هنا مقبول، ولكن أن يحتكما كلاهما إلى من كان حبرا من أحبار يهود في قراءة القرآن، فهذا ما يفسر ما ذكرناه,- وعبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منها كما ورد في كثير من كتب التاريخ،- وأما عبد الله بن عباس، فقد أورد له الطبري في تفسيره مئات من الإسرائيليات مما يؤكد معرفته بها,- وجاء في مشكل الآثار للطحاوي:- (عن ابن عباس قال: "قرأ معاوية في الكهف (وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: إنا نقرؤها {حمئة} فسأل معاوية عبد الله بن عمرو عنها فقال: كما قرأتها قال ابن عباس: فقلت: "في بيتي نزل القرآن" قال: فبعث معاوية إلى كعب يسأله أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ قال: في ماء وطين),- وهنا نرفق معاوية, الذي طالما ساعد احبار يهود وكهنة النصارى واعداء الدين على الفرقة وتحريف الدين, بعلمه أو بجهله,-
↵ ومن صحيح البخاري:- (كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم الآية),- فهذه الرواية تطلب أن لا نكذب قول أهل االكتاب.!,- من سورة آل.عمران181: ((لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ ..)),- وهذه الرواية تطلب أن لا نكذب قول يهود.!,- ومن سورة المائدة17: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)),- ومن سورة المائدة73: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)),- ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ))النمل,-
↵ وكل ما ورد في القرآن عن بني إسرائيل يختلف اختلافاً كاملاً عما ورد في الإنجيل والتوراة الحاليين من إسرائيليات مليئة بالكذب والخبائث,- وموقف القرآن الهجوم على أفعالهم وأخلاقهم وقتلهم الأنبياء، وتحريفهم الكلم,- ثم بعد ذلك نرى كثيرا من النصوص التوراتية والتلمودية، المتعلقة بقصص الأنبياء والخلق تتكوَّم بزخم، في أكبر تفسير موسوعي للقرآن يُعتبر كقدوة صالحة لكثير من التفاسير اللاحقة، أعني تفسير الطبري،- تلك النصوص الذي تُعالج الآيات القرآنية اتكاء على شخصيات مرموقة من أهل الكتاب أو، باتكاء على مجاهيل تحت عناوين مختلفة: (فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم)، أو (ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول..)، تتكوَّم بالعشرات بترجمة عن العبرية، مطابقة تماما للنصوص التوراتية.!,-
↵ إن اكثر ما وجد مقنع لعقول بعض السلف أقوال وتفسيرات لكعب الأحبار,- فقط سنوات قليلة عاشها كعب بين المسلمين ضخ فيها كم هائل من الإسرائيليات الى ان توفي سنة ٣٢ه,- بعد أن غش المسلمين ونشر الكثير من الأوهام الكاذبة والمزيفة، ولهذا وصمه معاوية بالكذب، وقال له عمر: إنك لم تزل على يهوديتك! بينما كذبه ابن عباس، وشتمه أبو ذر!,- كعب الأحبار الذي قدم ضمن وفود اليمن في خلافة عمر للانضمام إلى الجيوش الاسلامية في الفتوحات، قدم من اليمن وعمره 85 سنة، بعد ان عاش في ظل اليهودية حَبْـراً من أحبارهم حتى بلغ من العمر أرذله، فمنعه عمر من أن يحدث الناس وذلك في سنة 15ه قائلاً له:- (لتنتهين عن التحديث أو لألحقنك في أرض القردة), كما عند ابن حجر في الإصابة,- وتكاد لا تجد كتابا من كتب المسلمين لا ترى فيه اسم كعب الأحبار، رائد النشاط السري اليهودي في الغزو الفكري, حتى في الأدعية تجد كعبا في دعائه الذي جاء في مسند البزار:- (قال كعب: إنا لنجد في التوراة أن نبي الله داود كان إذا انصرف من صلاته قال : اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري...),- ثم تحول هذا الدعاء إلى رواية حديثية, عن رسول الله بفضل رواة الكوفة والبصرة, كما في صحيح مسلم:- (اللهم أصلح لى دينى الذى هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي ..),- وكيف يكون إصلاحٌ شيْ، إن لم يكن لهذا الشيء نقص أو عطل أو تخريب!، وقد أكمل الله دينه.!,- وفي مصنف ابن أبي شيبة:- (عن كعب قال: والذي فلق الحبة والنوى لبني إسرائيل أن في التوراة مكتوب يا ابن آدم اتق ربك وابرر والديك وصل رحمك أمد لك في عمرك وأيسر لك يسرك وأصرف عنك عسرك),- ثم تحول قول كعب إلى رواية حديثية عن رسول الله, في البخاري:- (من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه),- والقائمة تطول!!,-
◄ ولقد أتهم كبار الصحابة كعب الأحبار، بالكذب،- من صحيح البخاري:- (باب قول النبي لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء)، أن معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار فقال: (إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلوا عليه بالكذب),- وهكذا كذبه عمرو بن العاص، فقد روي أنه مر على كعب الأحبار، فعثرت به دابته، فقال: (يا كعب أتجد في التوراة أن دابتي تعثر بي)الإيضاح43,- وكذبه عمر في ادعائه جلوس الله على قبة الصخرة)تاريخ الطبري,- وعبد الله بن عباس الذي تلقف منه، ورد عنه قوله لرجل مقبل من الشام: من لقيت؟ قال: كعبا. قال: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: إن السماوات على منكب ملك. فقال: كذب كعب، أما ترك يهوديته بعد! ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾)الكافي الشافي لابن حجر,- وفي تاريخ الطبري, وغيره: حين تربع كعب على ديوان عثمان ليقول لأبي ذر: (من أدى الفريضة فقد أدى ما عليه, فما كان من أبي ذر إلا أن ضربه بمحجن كان في يده فشجه, وقال: يا ابن اليهودية ما أنت وما ها هنا..), وفي بيت عثمان!,- وما يدريك– ليس ببعيد على مثل كعب أن يقوم وهو في بيت عثمان بنقل عورات البيت وأخباره إلى أولئك القتلة المتظاهرين بمظهر المعارضين غير الراضين عن سياسات عثمان, في مصر أو في الكوفة أو في البصرة؟,- وإلا فكيف كانت تأتيهم رسائل غاية في السرية يتصرفون بموجبها, حتى أنهم استمالوا إليهم بعض (الصحابة), شأن يهود باستمالتهم في زماننا كثيرا من زعماء العرب والعالم!,- وفي مختصر تاريخ ابن عساكر:- (كان كعب الأحبار يقص فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله يقول: لا يقص إلا أمير أو مأمور أو محتال. فأتي كعب فقيل له: ثكلتك أمك، هذا عبد الرحمن يقول كذا وكذا، فترك القصص، ثم إن معاوية أمره بالقصص فاستحل ذلك بعد),-
↵ يقول أحدهم في كعب:- (وقد راجت دسيسته حتى انخدع به بعض الصحابة ورووا عنه، وصاروا يتناقلون قوله بدون إسناد إليه، حتى ظن بعض التابعين ومن بعدهم أنها مما سمعوه عن النبي، وأدخلها بعض المؤلفين في الموقوفات التي لها حكم المرفوع),- وقال في كعب ووهب بن منبه: (إن شر رواة هذه الإسرائيليات، أو أشدهم تلبيا وخداعا للمسلمين هذان الرجلان فلا تجد خرافة دخلت في كتب التفسير والتاريخ الإسلامي في أمور الخلق والتكوين والأنبياء وأقوامهم والفتن والساعة والآخرة، إلا وهي منهما مضرب المثل),- وقال غيره: (وقد كان أقوى هؤلاء الكهان دهاء وأشدهم مكرا، كعب الأحبار ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام. ولما وجدوا أن حيلهم قد راجت بما أظهروه من كاذب الورع والتقوى، وأن المسلمين قد سكنوا إليهم، واغتروا بهم، جعلوا أول همهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم، وذلك بأن يدسوا إلى أصوله التي قام عليها ما يريدون من أساطير وخرافات، وأوهام وترهات، لكي تنتهي هذه الأصول وتضعف .. فافتروا ما شاءوا أن يفتروا عليه ويسر لهم كيدهم أن يجدوا الصحابة يرجعون إليهم في معرفة ما لا يعلمون من أمور العالم الماضية),- ومن تاريخ الطبري:- (ثم دخلت سنة خمس وثلاثين هجرية ..... كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء أمه سوداء ... فلم يقدر على ما يريد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر... فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا يرجع وقد قال الله عز وجل إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد فمحمد أحق بالرجوع من عيسى قال فقبل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها. ثم قال لهم بعد ذلك إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد ثم قال: محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ووثب على وصي رسول الله وتناول أمر الأمة؟؟ ثم قال لهم بعد ذلك إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله فانهضوا في هذا الأمر،، فحركوه -وابدءوا بالطعن على أمرائكم،، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الناس،، وادعوهم إلى هذا الأمر),-
↵ ومؤشرات كثيرة تشير إلى تخطيط وتعاون بين كعب الأحبار الثمانيني القادم من اليمن مع قاتل عمر، ثم إن تهديد عمر لكعب الأحبار بإعادته إلى اليمن، أرض القردة، ثم إن ما خفي لهو أعظم، كل ذلك يشير بأصبع اتهام ثابتة لكعب الأحبار اليمني القادم من اليمن، الصديق الشخصي لأبي هريرة اليمني الدوسي, القادم من اليمن,-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◄ ولقد شاعت إسرائيليات كعب, وأخوته, وتعلم منه جمعا من الصحابة,- وتعلم منه كثيرا أبا هريرة,- ففي اللقاء الأول بين كعب وأبي هريرة كما في طبقات ابن سعد وسنن الدارمي والمستدرك:- (جاء أبو هريرة إلى كعب يسأل عنه وكعب في القوم فقال كعب ما تريد منه فقال أما إني لا أعرف لأحد من أصحاب رسول الله أن يكون أحفظ لحديثه مني فقال كعب أما إنك لن تجد طالب شيء إلا سيشبع منه يوما من الدهر إلا طالب علم أو طالب دنيا فقال أنت كعب قال نعم قال لمثل هذا جئت),- وهكذا انقلب الحال، فبدل أن يصبح كعب الأحبار تلميذا لأبي هريرة باعتباره صحابيا، صار أبو هريرة تلميذا لكعب، وأن كعبا راح يرغب أبا هريرة في طلب العلم على يديه،- ثم تكررت اللقاءات.. ومنها, كما في موطأ مالك, وغيره:- (لقي أبو هريرة كعب الأحبار، فقال: كيف تجدون رمضان في كتاب الله.؟ فقال كعب بل كيف سمعت (صاحبك) يقول فيه ؟ قال: سمعته يقول: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" . فقال: كعب: وأنا والذي نفسي بيده إني لأجده في كتاب الله عز وجل حطة يحط الله عز وجل به),-
• وفي مسند أحمد:- (عن أبي هريرة قال قدمت الشام فلقيت كعبا فكان يحدثني عن التوراة وأحدثه عن رسول الله حتى أتينا على ذكر يوم الجمعة..),- وربما حصل لقاؤهما في جبل الطور بعد مشاورات واتفاق فيما بينهما، إذ لم يكن اللقاء مصادفة,- من موطأ مالك ومسند أحمد والترمذي وأبو داؤد:- (عن أبي هريرة أنه قال خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه فحدثني عن التوراة وحدثته عن رسول الله فكان فيما حدثته أن قلت قال رسول الله خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط من الجنة وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه قال كعب ذلك في كل سنة يوم فقلت بل في كل جمعة فقرأ كعب التوراة فقال صدق رسول الله قال أبو هريرة فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال من أين أقبلت فقلت من الطور فقال لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت سمعت رسول الله يقول لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام وإلى مسجدي هذا وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس يشك قال أبو هريرة ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته به في يوم الجمعة فقلت قال كعب ذلك في كل سنة يوم قال قال عبد الله بن سلام كذب كعب فقلت ثم قرأ كعب التوراة فقال بل هي في كل جمعة فقال عبد الله بن سلام صدق كعب ثم قال عبد الله بن سلام قد علمت أية ساعة هي قال أبو هريرة فقلت له أخبرني بها ولا تضن علي فقال عبد الله بن سلام هي آخر ساعة في يوم الجمعة قال أبو هريرة فقلت وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي وتلك الساعة ساعة لا يصلى فيها فقال عبد الله بن سلام ألم يقل رسول الله من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي قال أبو هريرة فقلت بلى قال فهو ذلك),-
↵ وفي هذا الحديث وغيره واضح أن كعبا كان يستغفل أبا هريرة كما يستغفل غيره من المسلمين الذين رضوا بالتلمذة على يديه، فلست أدري أي توراة هذه التي رجع إليها، والتي وجد فيها ما ذكره,-
• وقد يكون بينهما خلافات مذهبية كثيرة، (قبل إعلان إسلامهما)، دوّنت الكتب بعضا منها فعلى سبيل المثال:- لم يصدق كعب الأحبار أبا هريرة في موضوع الفأر الممسوخ، مسخ بني إسرائيل، مما دعا كعبا إلى استفهامه مرارا.؟ مما ألجأ أبو هريرة ليقول لكعب: (أفقرأ التوراة), كما في صحيح البخاري,- وفي صحيح مسلم:- (َعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا أدى العبد حق الله وحق مواليه كان له أجران قال فحدثتها كعبا فقال كعب ليس عليه حساب ولا على مؤمن مزهدٍ),- وهنا نجد كعبا أستاذا لأبي هريرة يستعلمه فيعلمه,- ومرة أخرى لا يصدق كعبٌ أبا هريرة، حينما أخبره عن خبيئة الرسول المتمثلة في الشفاعة لأمته، كما في صحيح مسلم:- (قَال أبو هريرة لكعبِ الأحبار إن نبي الله قال لكل نبي دعوة يدعوها فأنا أريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فقال كعب لأبي هريرة أنت سمعت هذا من رسول الله قال أبو هريرة نعم),- وفي مسند الشاميين للطبراني والحلية لأبي نعيم، (قال أبو هريرة لكعب الأحبار ألا أحدثك عن أبي القاسم قال بلى فتواعدا ليلة قبة من قباب معاوية فاجتمع عليهما الناس فما زال أبو هريرة ليله أجمع يقول قال رسول الله قال أبو القاسم حتى أصبح فلم يزده كعب إلا في ثلاثة أحاديث قال أبو هريرة بينا سليمان بن داود ..),-
• فهما على اختلاف مذهبي حقيقي، كما يبدو للمتتبع لهما، نتيجة لما كان عليه كل واحدا منهما فبل إسلامه,- ولم نجد لكعبا أحاديث تنال من بني إسرائيل، بل امتلأت كتب حديث الدرجة الثانية بكيل كعب المديح لهم،- ولم يكن من مصلحة كعب الأحبار أن ينال من النصارى، حتى ولو بكلمة واحدة،- وبالمقابل، فقد كان أبو هريرة لبني إسرائيل، ولليهود بالمرصاد، من دون هوادة، فجعلهم يزحفون على استاهم في رسم كاريكاتوري غاية في الفن، كما ورد في صحيح البخاري:- (قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقالوا حطة حبة في شعرة.),- ومن صحيح البخاري كذلك تواليا:- (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.),- (قاتل الله يهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها.),- ومن صحيح البخاري كذلك:- (لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود),- فلم يرض كعب الأحبار فيرد حديث الرسول ويعترض قائلا: هم اثنى عشر لا عشرة،. فيمررها أبو هريرة: كما ورد في مسند أحمد:- (لو آمن بي عشرة من أحبار اليهود لآمن بي كل يهودي على وجه الأرض قال كعب اثنا عشر مصداقهم في سورة المائدة),- وسكت أبو هريرة على جواب صديقه ذي الأصول اليهودية،- ومن صحيح البخاري:- (فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت وإني لا أراها إلا الفأر إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت فحدثت كعبا فقال أنت سمعت النبي يقوله قلت نعم قال لي مرارا فقلت أفأقرأ التوراة),- وهنا نجد كعبا وجها لوجه مع أبي هريرة، في مقابلة لا يمكن معرفة تفاصيلها، ويظهر جليا الخلاف بين الرجلين، خلاف يبدو بأن له جذور تاريخية عميقة ممتدة تصل إلى الحياة القديمة،- ومن مسند أحمد عن أبي هريرة, تواليا:- (إذا لقيتم اليهود في الطريق فاضطروهم إلى أضيقها ولا تبدؤوهم بالسلام),- (كان رسول الله إذا تبع جنازة قال انبسطوا بها ولا تدبوا دبيب اليهود بجنائزها),- ومن صحيح البخاري:- (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم),-
↵ في حين سجل أبو هريرة كثيرا من الأحاديث المتعاطفة مع النصارى, كما في صحيح البخاري, تواليا:- (يقول أبو هريرة على إثر ذلك ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط),- (ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها),- (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد),- (رأى عيسى ابن مريم رجلا يسرق فقال له أسرقت قال كلا والله الذي لا إله إلا هو فقال عيسى آمنت بالله وكذبت عيني),- وحينما استعرض أبو هريرة ذنوب الأنبياء من آدم حيث عصى ربه إلى نوح حيث دعا على قومه إلى إبراهيم حيث كذب ثلاث كذبات حسب ادعاء أبي هريرة إلى أن جاء دور عيسى في الشفاعة فلم يجد أبو هريرة لعيسى من ذنب,- ونستنتج من هذه الأدلة اتجاه أبي هريرة الثقافي والديني قبل إعلان إسلامه من أنه على درجة لا يستهان بها في سلم الكهنوت النصراني أقلها أنه كان قسيسا كبيرا قبل قدومه المدينة,-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◄ وحياة أبو هريرة قبل إسلامه تكاد تكون مجهولة بالكامل، لم نعلم عنها شيئا سوى ما أخبر به أبو هريرة بنفسه عن نفسه،- فقد ولد سنة 18 قبل الهجرة، وقدم المدينة مع انتهاء غزوة خيبر في المحرم سنة سبع من الهجرة،- من سنن ابن ماجة:- (نشأت يتيما وهاجرت مسكينا وكنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي أحطب لهم إذا نزلوا وأحدو لهم إذا ركبوا فالحمد لله الذي جعل الدين قِواما وجعل أبا هريرة إماما),- وفي سنن الترمذي:- (عن عبد الله بن رافع قال قلت لأبي هريرة لم كنيت أبا هريرة قال أما تفرق مني قلت بلى والله إني لأهابك قال كنت أرعى غنم أهلي وكانت لي هريرة صغيرة فكنت أضعها بالليل في شجرة فإذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها فكنوني أبا هريرة),- وقول أبي هريرة (تفرق مني) أي أتخاف مني! يدل على شخصية قوية لأبي هريرة وعلى ثقته بنفسه، وقدرته على معرفة ميول الآخر وهواه,- وقول عبد الله بن رافع، تلميذ أبي هريرة، له: (إني لأهابك) هو تأكيد على تأثير قوة شخصيته في تلاميذه,- وهذه القوة عبّر عنه أبو هريرة نفسه بقوله في رواية في صحيح البخاري:- (والله لأرمين بها بين أكتافكم),-
• ومن صحيح البخاري:- (أنه لما أقبل يريد الإسلام ومعه غلامه ضل كل واحد منهما من صاحبه فأقبل بعد ذلك وأبو هريرة جالس مع النبي فقال النبي يا أبا هريرة هذا غلامك قد أتاك فقال أما إني أشهدك أنه حر قال فهو حين يقول يا ليلة من طولها وعنائها على أنها من دارة الكفر نجت),- وهذه الرواية تعني وجود ملامح ماض مجيد، وتاريخ راق لأبي هريرة معتم عليه عن عمد، وهو احتمال وارد نظرا لبقاء أبي هريرة طيلة حياته التي رواها عن نفسه من دون عمل يدر عليه تكاليف العيش.. وأن أبا هريرة كان يعيش طبقة اجتماعية عالية الثقافة، رفيعة المستوى، مخدومة من قبل الآخرين، آمرا ناهيا ذا قضية وهدف واعتقاد .. ثم؛ لا منطق في أن تُغطَّى مدة زمنية مقدارها 25 سنة الأولى من عُمْرِ أبي هريرة في رعاية غنم واحتطاب وحداء، ثم يقول لكعب الأحبار فيما بعد: "أفأقرأ التوراة", ويرطن باللغة الحبشية،- ويرطن بالفارسية،.. وهي اللغات العالمية لثاقفي اليمن، وسَراتها في تلك العهود //
↵ من صحيح البخاري:- (أبي هريرة قال قال النبي لا عدوى ولا صفر ولا هامة فقال أعرابي يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها فقال رسول الله فمن أعدى الأول وعن أبي سلمة سمع أبا هريرة بعد يقول قال النبي لا يوردن ممرض على مصح وأنكر أبو هريرة حديث الأول قلنا ألم تحدث أنه لا عدوى فرطن بالحبشية),- أي أن أبا هريرة هو الذي رطن بالحبشية,- وفي صحيح مسلم:- (حتى غضب أبو هريرة فرطن بالحبشية),- ومن صحيح البخاري:- (أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال النبي بالفارسية كخ كخ أما تعرف أنا لا نأكل الصدقة),- أي أن أبا هريرة هو الذي قال كلمة "بالفارسية".,- وفي سنن أبي داود:- (بينما أنا جالس مع أبي هريرة جاءته امرأة فارسية معها ابن لها فادعياه وقد طلقها زوجها فقالت يا أبا هريرة ورطنت له بالفارسية زوجي يريد أن يذهب بابني فقال أبو هريرة استهما عليه ورطن لها بذلك),- ومن سنن ابن ماجه:- (فصليت ثم جلست فالتفت إلي النبي فقال اشكمت درد قلت نعم يا رسول الله قال قم فصل فإن في الصلاة شفاء حدثنا أبو الحسن القطان حدثنا إبراهيم بن نصر حدثنا أبو سلمة حدثنا ذواد بن علبة فذكر نحوه وقال فيه اشكمت درد يعني تشتكي بطنك بالفارسية),- وفي صحيح البخاري:- (قال يا بابوس من أبوك قال راعي الغنم),- والبابوس: الولد بالرومية,- ومن صحيح البخاري, كما تقدم قول أبي هريرة:- (أفأقرأ التوراة),-
↵ فهل يعرف أبو هريرة اللغة العبرية والحبشية والفارسية والرومية, إضافة للعربية اليمانية؟، وهي اللغات العالمية التي كانت سائدة في عصر أبي هريرة. فإن كان يعرف هذه اللغات، فأين عرفها وأين تعلمها، ومتى كان ذلك.؟ وإن لم يكن يعرفها فهل عرفها رسول الله.؟,- فأبو هريرة، واضح أنه رجل واسع المعرفة، متنوع الثقافة التوراتية والإنجيلية، يعرف الكتابة كما في مسند أحمد:- (كنا قعودا نكتب ما نسمع)،- كما يعرف القراءة إذ يقول لصديقه: أفاأقرأ التوراة),- وفي تاريخ دمشق وسير الأعلام وغيرهما قول كعب الأحبار:- (ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة),-
↵ والأرجح في أن أصول أبي هريرة ترجع فارسية, فالأحاديث التي جاءت عنه من تقويل رسول الله كخ كخ بالفارسية, وتشتكي بطنك بالفارسية, ولو كان الإيمان بالثريا لناله رجل من فارس, مع تذكير العرب بأن أمهم هاجر كانت خادمة عند سارة (نلك أمكم يا بني ماء السماء), وحديثه المشهور: (ويل للعرب، من شر قد اقترب),- مؤشرات تخبر بأن أبا هريرة كان قبل مجيئه المدينة قسا نصرانيا ذا أصول فارسية,-
◄ وأبي هريرة منذ دخوله المدينة بعد غزوة خيبر، وحتى بعثه الرسول إلى البحرين مؤذنا مع العلاء بن الحضرمي، في ذي القعدة من السنة الثامنة من الهجرة،- يعني أن تواجد أبي هريرة في القسم الأول من حياته بالمدينة سنة واحدة وتسعة أشهر، ثم غادرها إلى البحرين,- وكانت وفاة الرسول في ربيع الأول سنة 11 هـ,- ولم نجد في كتب التأريخ ذكرا لتاريخ عودة أبي هريرة من البحرين في حياة الرسول,- جاء عن أبي هريرة في صحيح البخاري:- (صحبت رسول الله ثلاث سنين),- وبافتراض صحة الرواية فإن الفترة ما بين المحرم سنة سبع حيث وطأت قدما أبي هريرة المدينة وبين وفاة الرسول في ربيع الأول سنة 11 هـ. هي أربع سنوات وثلاثة أشهر, وهذا يعني بأن مكوث أبي هريرة في البحرين مع العلاء سنة واحدة وثلاثة أشهر... وعلى ذلك فإن غياب أبي هريرة عن المدينة كان ما بين ذي القعدة سنة ثمان وحتى ربيع الأول من السنة العاشرة,- والباحث عن حقيقة المدة الزمنية التي قضاها أبو هريرة في ظل النبوة، أمامه تساؤلات لا يجد لها جوابا: لماذا ترك أبو هريرة البحرين ومتى، وهل تركها فعلا قبل وفاة الرسول.؟,- وكون التحقيق في قضية مكوث أبي هريرة مع الرسول لا يستند إلى معلومات رقمية تاريخية ثابتة، فيبقى الأمر محيرا كالحيرة في اسم أبي هريرة الحقيقي الذي لم يتفق عليه حتى الآن، فاصطلحوا على أن يكون عبد الرحمن بن صخر، وهذا الاصطلاح محير أيضا، بسبب كلمة (الرحمن), فهل كان الناس في اليمن قبل الإسلام يسمون أبناءهم عبد الرحمن.؟. وما علينا، أخيرا إلا أن نقول ما قاله أبو هريرة بأنه صحب رسول الله ثلاث سنين,- وهذه الفترة من صحبته كانت مزدحمة بالأحداث كفتح مكة والغزوات المختلفة التي تلتها، كحنين وتبوك والطائف, بالإضافة إلى حجة الوداع.. مما لا تتيح له التفرغ والجلوس لرسول الله مثلما كان يجلس السابقون في مكة والذين تفرغ لهم تفرغا تاما,- فأبا هريرة لم يكن من الصحابة السابقين، ولا من الذين اكتفوا بالتلمذة على رسول الله.. بل كان تلميذا نجيبا لغيره، وخاصة لكعب الأحبار,-
◄ ولو حقا كان أبي هريرة ملازما للرسول لتكرر اسمه كثيرا في التاريخ والسير، وبالأحداث الفاعلة لا بالأقوال والروايات,- ففي السيرة لا وجود لأبي هريرة إلا ما ندر,- وهو لم يلاقي مرارة الصابرين من المهاجرين والأنصار ولم يشارك المسلمين في أي غزوة من الغزوات،- بل جاء في الفترة التي قوي فيها الإسلام، مع معرفته وسماعه برسول الله، ومع ذلك لم يسلم حتى انتشرت بين قبائل العرب انتصارات المسلمين: ((يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا))الأحزاب20،- فكل الجزيرة العربية كانت تسمع أخبار رسول الله مع قومه، وتنتظر النتيجة, وعندما صارت النتيجة في صالح الإسلام، وذلك بعد صلح الحديبية، وانتصر المسلمون في خيبر الممتلئة بالثروات، بدأت الوفود تتوافد رغبة ورهبة.. رغبة في أن تنال من تلك المكاسب، ورهبة من أن تصل إليها جيوش المسلمين,- وكان من بين تلك الوفود وفود اليمن.. وكان من بينهم أبو هريرة,- من صحيح البخاري:- (عن أبي هريرة قال أتيت رسول الله وهو بخيبر بعد ما افتتحوها فقلت يا رسول الله أسهم لي فقال بعض بني سعيد بن العاص لا تسهم له يا رسول الله فقال أبو هريرة هذا قاتل ابن قوقل فقال ابن سعيد بن العاص واعجبا لوبر تدلى علينا من قدوم ضأن ينعى عليَّ قتل رجل مسلم أكرمه الله على يدي ولم يهني على يديه قال فلا أدري أسهم له أم لم يسهم له),- وهذا الحديث الخطير ينبئ عن معاني كثيرة في شخصية أبي هريرة، وأولها، وأخطرها أنه كان يسمع بالإسلام وبما يتعرض له المسلمون من صنوف الأذى، ولكنه لم يحضر ـ كما فعل الكثير من الصادقين من أمثال أبي ذر وغيره ـ حتى فتحت خيبر، فجاء يطالب بقسمة له فيها,- وهذا السؤال يدل على أنه يحمل ذاتاً واعية ونفسية حُبِّ المال، حتى ولو كان هذا الطلب دون وجهة نظر مقبولة في أعراف ذلك الزمن باعتبار عدم مساهمة أبي هريرة في افتتاح خيبر,- وزامن طلب أبو هريرة وجود أَبَانَ بْنَ سَعِيدٍ بن العاص بن أمية، وكان أبانُ قد قتل قبل أن يُسلم رجلا من الأنصار هو ابنَ قوقل الأوسي، ولا أعلمُ كيف علم أبو هريرة بقتل أبان لابن قوقل، إذ لم يزل وجودُهُ غَضَّاً في أرض خيبر، إلا بورود أخبار الرسول اليه وهو في اليمن,- ولم يرضَ أبانُ في تدخل أبي هريرة فيما لا يعنيه، فرد على أبي هريرة أقبح الرد مستهجنا ذكره ابن قوقل، وقد شبه أبا هريرة بالوبْر الذى لا خطب له ولا مقدار؛ وقد أقصى أبانُ أبا هريرة عن ممارسته تهييج النفوس ولم يزل في يومه الأول بأرض خيبر، حينما ذكّر أبو هريرة بمقتل ابن قوقل، فلهذا تابع أبانُ الرد قائلا: (لقد أكرمه الله على يدي ولم يهني على يديه),-
◄ ولم نجد أبا هريرة يُظهِر إسلامه في الروايات أمام أحد، ولم يرو عن إسلامه شيئا، وإنما وجدناه أول ما وجدناه مع الرسول بعد الانتهاء من خيبر,- من صحيح مسلم:- (أن أبو هريرة قال كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ما أكره فأتيت رسول الله وأنا أبكي قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله اللهم اهد أم أبي هريرة فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف فسمعت أمي خشف قدمي فقالت مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء قال فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قال فرجعت إلى رسول الله فأتيته وأنا أبكي من الفرح قال قلت يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا قال قلت يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا قال فقال رسول الله اللهم حبب عبيدك هذا يعني أبا هريرة وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني),-
↵ وفي هذه الرواية أتقن قاص المدينة أبو هريرة صياغة قصة أمه وإسلامها، وأتقن سبكها سباكة تفاعلية،- ثم إنك لتستغرب، أهذا الذي عاش الصفة ومسكنتها والجوع وبأساءه، وآلام الاندماج في مجتمع جديد، ليستطيع إخراج قصة رائعة، عن أم له مخبأة لا يعرف عنها أحد شيئا، تشتم محمدا ثم تؤمن به في نفس لحظة طلب الدعاء لها، في حين لم نجد أبا هريرة يذكر عن وفاة أمه شيئا.!,- جاء في (مختصر تاريخ دمشق): وكان سعد بن صفيح خال أبي هريرة من أشد أهل زمانه، فكان لا يأخذ أحداً من قريش إلا قتله بأبي أزيهر الدوسي,- وفي (جمهرة النسب) لابن الكلبي: (وبجير بن العوام، قتله سعد بن صفيح الدوسى خال أبي هريرة بأبي أزيهر. ولقيه باليمامة),-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◄ ولعل من أهم المفاتيح الدالة على شخصية أبي هريرة انضمامه لأهل الصفة في المدينة، على الرغم من كونه في ذلك الحين شابا قادرا على العمل، ولكنه آثر أن يظل في ضيافة المسلمين يأكل على موائدهم، ويتزلف إليهم لينال من طعامهم، وقد ظلت معه هذه الخصلة حتى أوآخر عمره عندما كان يؤثر مائدة معاوية الممتلئة بصنوف الأطعمة على مائدة غيره,- ولم نجد الرسولَ قد آخى بين أبي هريرة وبين أحد، كما فعل بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي، كما لم نجد أن أبا هريرة قد قام بأي عمل يسد به احتياجاته اليومية، مثل بقية الصحابة، ورجل في شرخ الشباب لا يعاني من مرض ولكنه لا يعمل رجل إما أنه كان يعيش في طبقة اجتماعية مخدومة رفيعة المستوى يأتيها رزقها رفاها دون عناء، أو أنه فاقد الشهامة لمن فوقه، أو أنه لا يريد الافصاح عما كان يشغل حياته,- قال ـ يصف حادثة من الحوادث كما في صحيح البخاري:- (ألله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر فلم يفعل ثم مر بي أبو القاسم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ثم قال يا أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال الحق ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي فدخل فوجد لبنا في قدح فقال من أين هذا اللبن قالوا أهداه لك فلان أو فلانة قال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي قال وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك فقلت وما هذا اللبن في أهل الصفة كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت قال يا أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال خذ فأعطهم قال فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي وقد روي القوم كلهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم فقال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال بقيت أنا وأنت قلت صدقت يا رسول الله قال اقعد فاشرب فقعدت فشربت فقال اشرب فشربت فما زال يقول اشرب حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا قال فأرني فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة),-
• ومن صحيح البخاري:- (كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان فتمخط فقال بخ بخ أبو هريرة يتمخط في الكتان لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله إلى حجرة عائشة مغشيا علي فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي من جنون ما بي إلا الجوع),- ومن صحيح البخاري:- (لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته),-
• ومن صحيح البخاري:- (أصابني جهد شديد فلقيت عمر بن الخطاب فاستقرأته آية من كتاب الله فدخل داره وفتحها علي فمشيت غير بعيد فخررت لوجهي من الجهد والجوع فإذا رسول الله قائم على رأسي فقال يا أبا هريرة فقلت لبيك رسول الله وسعديك فأخذ بيدي فأقامني وعرف الذي بي فانطلق بي إلى رحله فأمر لي بعس من لبن فشربت منه ثم قال عد يا أبا هر فعدت فشربت ثم قال عد فعدت فشربت حتى استوى بطني فصار كالقدح قال فلقيت عمر وذكرت له الذي كان من أمري وقلت له فولى الله ذلك من كان أحق به منك يا عمر والله لقد استقرأتك الآية ولأنا أقرأ لها منك قال عمر والله لأن أكون أدخلتك أحب إلي من أن يكون لي مثل حمر النعم),-
↵ وفي أكثر من مرة نجد أبا هريرة يخر على وجهه من الجهد والجوع غير بعيد عن بيت عمر، ذلك لأن عمر، فيما نراه، وقف في وجه أبي هريرة يمنعه من التحديث، مهددا إياه إن هو حدث,- ففي صحيح مسلم نجد عمر بن الخطاب يرمي أبا هريرة على استه ليمنعه من تنفيذ أمر الرسول.؟: (فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي ..),-
• وما قاله أبو هريرة لعمر: (والله لقد استقرأتك الآية ولأنا أقرأ لها منك),- فتلك جرأة كامنة, وعندما يجابه أبو هريرة وهو حيٌّ عمرا وهو ميت فذاك تعويض نفسي داخلي,- وقد صاحب عمر جميع مراحل الدعوة الإسلامية غضة منذ نشأتها، وعاش أبو هريرة في ظل النبوة عُشْرَ ما عاش الفاروق، وقُتِل الفاروق وهو يقرأ القرآن في صلاة الصبح. ثم يأتي وبر تدلى علينا من قدوم ضأن يتطاول على الفاروق يقول له: أنا أقرأ للقرآن منك.!؟,- ثم من هو الجائي الذي يجيء فيضع رجله على عنق أبي هريرة. الجائع؟ من دون كل الصحابة غير الجائعين، وخاصة في ذات المكان الذي يصفه أبو هريرة بأنه روضة من رياض الجنة كما في صحيح البخاري:- (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة),- وأقوال أبي هريرة فيها إهانة كبيرة لكبار الصحابة السابقين، فهو يصور لا مبالاتهم بجوعه وفقره، وحجره المعصب على بطنه، مع كونه من المسلمين الجدد الذين يحرصون على تثبيت الإيمان في قلوبهم بكل ما يتطلبه التثبيت من واجبات,- وأبو هريرة واحد من أهل الصفة، أولئك الذين يُقدَّم لهم من الغذاء ما يشد أودهم ويكفيهم العيش، دون أن يخر واحد منهم على وجهه من الجهد والجوع. فقد أغنى الله رسوله,- وقد جر ذلك الاهتمام الشديد من أبي هريرة بحاجاته الشخصية إلى تصنيف الصحابة بحسب اهتمامهم به, فقد كان يقول كما في سنن الترمذي:- (ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله أفضل من جعفر بن أبى طالب),- وقد ذكر سبب ذلك، كما في صحيح البخاري.- بقوله: (وإني كنت ألزم رسول الله بشبع بطني حتى لا آكل الخمير ولا ألبس الحبير ولا يخدمني فلان ولا فلانة وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها)،-
↵ وعلى نقيض ذلك يروي أبي هريرة كما في صحيح البخاري عن الرسول:- (والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه),- ويروي كما في صحيح البخاري:- (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة ولا اللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف واقرءوا إن شئتم يعني قوله لا يسألون الناس إلحافا),- ولكن أبا هريرة كان يقعد في طريقهم ليطعموه,-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◄ وبعد وفاة عمر أخذت شخصية أبي هريرة أبعادها الحقيقية الحرة حين كان الوضع سائبا يحدث من شاء بما شاء,- فجاءت روايات كثيرة عن الصحابة تتهم أبو هريرة بالكذب على رسول الله، وقد صرح هو بذلك كما في صحيح مسلم:- (ألا إنكم تحدثون أني أكذب على رسول الله لتهتدوا وأضل),- فقد اتهمه عمر بن الخطاب مبكرا في أمانته, أضافه إلى اتهامه في صدقه، بل هدده بتسليط العقوبة عليه إن حدث عن رسول الله .. ولهذا قلت روايته في عهده، فقد قال عمر لأبي هريرة كما في سير الأعلام:- (لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس),- وفيه كذلك: (أن أبا هريرة كان يقول إني لأحدث أحاديث لو تكلمت بها في زمن عمر لشج رأسي),- وهذا ما أشار إليه أبو هريرة بقوله، كما في السير كذلك:- (ما كنا نستطيع أن نقول قال رسول الله حتى قبض عمر كنا نخاف السياط),- من صحيح البخاري, لأبي هريرة:- (قال آمنت به أنا وأبو بكر وعمر قال أبو سلمة وما هما يومئذ في القوم),- ومن صحيح البخاري:- (صلى بنا النبي الظهر ركعتين ثم سلم ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد ووضع يده عليها وفي القوم يومئذ أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه),- مما يشير إلى أن تحديث أبي هريرة لهذين الحديثين، ولمعظم أحاديثه، لم يكن في عهد أبي بكر ولا عمر,- ولقد اتفق المؤرخون لأبي هريرة أن عمر حين ولاه على البحرين سنة 21هـ، بلغته عنه أشياء تخل بأمانة الوالي، فعزله وولى مكانه عثمان بن أبي العاص,- فقد روي أنه قدم بعشرة آلاف، وهو مبلغ ضخم جدا في ذلك الحين، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله وعدو كتابه؟ فقال أبو هريرة: لست بعدو الله وعدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما، فقال له عمر: فمن أين هي لك؟ قال أبو هريرة: خيل نتجت، وغلة رقيق لي، وأعطية تتابعت علي),- كما جاء في سير الأعلام وتاريخ دمشق والطبقات, وغيرها,-
• وجاء في صحيح البخاري, قول عائشة، لعروة بن الزبير:- (ألا يعجبك أبو فلان "تعني أبي هريرة" جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله يسمعني ذلك وكنت أسبح فقام قبل أن أقضي سبحتي ولو أدركته لرددت عليه إن رسول الله لم يكن يسرد الحديث كسردكم),- وعائشة قد اعترضت عليه مرارا في رواياته,- نجد في فتح الباري لأبن حجر:- (أنها دعت أبا هريرة، فقالت له: يا أبا هريرة، ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي، هل سمعت إلاّ ما سمعنا؟ وهل رأيت إلاّ ما رأينا؟ قال: يا أماه، إنه كان يشغلك عن رسول الله المرآة والمكحلة، والتصنع لرسول الله، وإني والله ما كان يشغلني عنه شيء),- بل إنها أنكرت عليه إنكارا شديدا فيما رواه مسلم:- (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب),- حيث ردت عليه بقولها كما في صحيح البخاري:- (قد شبهتمونا بالحمير والكلاب. والله لقد رأيت رسول الله يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله فأنسل من عند رجليه),- وردت عليه قوله: (إنما الطيرة في المرأة، والدابة، والدار), بغضب شديد، وصفه الراوي بقوله: (فطارت شقة منها في السماء، وشقة في الأرض)، ثم قالت: (والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن نبي الله كان يقول: (كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابة، ثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾)رواه أحمد وغيره,- وكذلك في مسند أحمد:- (عن علقمة قال كنا عند عائشة فدخل أبو هريرة فقالت أنت الذي تحدث أن امرأة عذبت في هرة لها ربطتها فلم تطعمها ولم تسقها فقال سمعته منه يعني النبي. فقالت هل تدري ما كانت المرأة؟ إن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، وإن المؤمن أكرم على الله عز وجل من أن يعذبه في هرة. فإذا حدثت عن رسول الله فانظر كيف تحدث),-
↵ وعند البخاري في صحيحه:- (حُدث ابن عمر أن أبا هريرة يقول: من تبع جنازة فله قيراط، فقال: أكثر أبو هريرة علينا),- والغريب أن عائشة صدقت قول أبو هريرة, في رواية أخرى قد تكون بفعل راوي يرغب في تلميع صورة أبو هريرة,- وفي حديث: من أصبح جنبا فلا صيام له، كما في صحيح مسلم:- (فقال أبو هريرة أهما قالتاه لك قال نعم قال هما أعلم ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس فقال أبو هريرة سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي قال فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك),- وعند البخاري في صحيحه:- (فذكر قول عائشة وأم سلمة فقال كذلك حدثني الفضل بن عباس وهن أعلم),- فنقض أبو هريرة قسمه برب هذا البيت, كما جاء في مسند أحمد:- (ورب هذا البيت ما أنا نهيت عن صيام يوم الجمعة ولكن محمد نهى عنه ورب هذا البيت ما أنا قلت من أدركه الصبح جنبا فليفطر ولكن رسول الله قاله),- وفي سنن أبو داود وغيره:- (إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه فقال له مروان بن الحكم أما يجزئ أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع على يمينه قال عبيد الله في حديثه قال لا قال فبلغ ذلك ابن عمر فقال أكثر أبو هريرة على نفسه قال فقيل لابن عمر هل تنكر شيئا مما يقول قال لا ولكنه اجترأ وجبنا قال فبلغ ذلك أبا هريرة قال فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا),-
↵ وشمل الإنكار كثيرا من الصحابة السابقين، ومنهم الزبير بن العوام الذي قال واصفا رواية أبي هريرة للحديث: (صدق كذب، صدق كذب)، فسأله ابنه عن معنى كلامه؟ فقال: (أمّا أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله فلا شكّ، ولكن منها ما وضعه على مواضعه، ومنها ما لم يضعه على مواضعه), كما في تاريخ دمشق، والبداية والنهاية,- وورد النص الصريح بتكذيب سعد بن أبي وقاص، لأبي هريرة, فقد نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق رد سعد لروايته، فقال: (حدث أبو هريرة، فرد عليه سعد فتواثبا حتى قامت الحجزة، وأرتجت الأبواب بينهما),- بل إنه شمل الكثير من التابعين ومن بعدهم، وقد عبر عن ذلك إبراهيم النخعي وهو من كبار التابعين، فقال:- (كانوا يتركون أشياء من أحاديث أبي هريرة)العلل، لأبن حنبل,- وفي تاريخ دمشق:- (كانوا يرون في أحاديث أبي هريرة شيئاً),- وفي كتاب التمييز لمسلم:- (قال لنا بسر بن سعيد اتقوا الله وتحفظوا من الحديث،، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله),- ومن صحيح البخاري:- (وعن الزهري قال حدثني أنس بن مالك أن رسول الله قال لا تنتبذوا في الدباء ولا في المزفت وكان أبو هريرة يلحق معها الحنتم والنقير),-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◄ وأبي هريرة على إثر ذلك يبرر الإكثار والوعاء:- من صحيح البخاري:- (يقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث والله الموعد ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم وكنت امرأ مسكينا ألزم رسول الله على ملء بطني فأحضر حين يغيبون وأعي حين ينسون وقال النبي يوما لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئا أبدا فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي مقالته ثم جمعتها إلى صدري فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم شيئا أبدا إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى إلى قوله الرحيم),-
↵ أما إكثار الحديث عن أبي هريرة فواقع لا ريب فيه، بل الشك في رواياته وتكذيبه, كما تقدم,- من صحيح البخاري:- (عن أبي هريرة ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب),- وهذا قول يعارضه الواقع وتعارضه الأرقام ويوحي بأن له أهدافا أخرى, وقد ورد معنا كون أبي هريرة يكتب، ويقرأ التوراة.!- ويبدو بأن أبا هريرة رغب أن لا يلاحقه (الاكثار) فيكون وصفا يلازمه، فجعل من عبد الله بن عمرو، عكازة يتعكز عليها في إكثاره، أو دريئة تدفع عنه تهمة الإكثار,- من صحيح البخاري:- (يقول الناس أكثر أبو هريرة فلقيت رجلا فقلت بما قرأ رسول الله البارحة في العتمة فقال لا أدري فقلت لم تشهدها قال بلى قلت لكن أنا أدري قرأ سورة كذا وكذا),- والإحصاء العلمي يشهد بأن أبا هريرة قد ضارع الخلفاء الأربعة مجتمعين بروايته الحديث رغم قصر المدة,- وهو الأكثر رواية من بين أكثر من ألف صحابي، رغم الثلاث سنوات التي عاشها في عهد النبوة، وليس الإكثار في رواية الأحاديث فقط, بل الإكثار من الرواية للحديث الواحد ذي الموضوع الواحد، عن طريق توزيعه على عدد كبير جدا من التلاميذ، والإكثار من الرواية لعدد كبير جدا من المواضيع،-
↵ وأما قوله: (فأحضر حين يغيبون),- فلم نجد عبارة بين العبارتين تنص على: "وأغيب حين يحضرون" ؟,- وهل للمهاجرين والأنصار مجلس عام مع الرسول، ولأبي هريرة مجلس خاص بمفرده،؟،- من صحيح البخاري, عن عمر بن الخطاب:- (إني كنت وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على النبي فينزل يوما وأنزل يوما فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم من الأمر وغيره وإذا نزل فعل مثله),- وهكذا فقد وفق عمر، كما وفق الأنصاري، بين عملهما للحصول على رزقهما وبين التماس العلم من رسول الله، ولم يعقد لأي من المهاجرين أو الأنصار مجلسا خاصا به,-
↵ وأما قول: (لن يبسط أحد منكم ثوبه.),- تدل على أن أبا هريرة لم يكن وحده في المجلس، فكيف تأتي عبارة: (فأحضر حين يغيبون), وفي نفس الرواية.؟, ولماذا لم يبسط أحد من الحاضرين ثوبه إلا أبا هريرة.؟,- من صحيح البخاري:- (عن أبي هريرة قال قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه قال ابسط رداءك فبسطته قال فغرف بيديه ثم قال ضمه فضممته فما نسيت شيئا بعده),- وهذه الرواية تختلف عما جاء في الرواية السابقة من صحيح البخاري:- (وقال النبي يوما لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعه ..),- وكلا الرويتان لراو واحد، أبو هريرة، الذي لا ينسى أبدا، بدعاء الرسول، كما ورد في المتن، فما سبب نسيان التالي: (قال النبي يوما/ قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه),- فهل قال، أم قلت.؟,- وهل الرسول قد طلب بسط الرداء أمام الناس أم أمام أبي هريرة فقط.؟,- وموضوع عدم النسيان ضد طبيعة الإنسان، المخلوق، والخالق هو من لا ينسى,- والتزام أبي هريرة وعدم نسيانه يعنيان أن تأتي الأحاديث التي يرويها كلها على حروفها: متطابقة، وعلى السماع، لا مختلفة وعلى العنعنة،-
◄ واتهام البريء يتم غالبا من خلال تغييب الشهود: والساحر المتهم هنا هو الرسول الذي يتهمه أبو هريرة بممارسة السحر!, أما الناس الشهود فلا يمكن لأي إنسان معرفة واحد منهم أبدا،- وأدوات السحر هي: ثوب ممدود، وأقوال تُقال فوق الثوب، ولا ندري ماهي مقالة "الرسول" وما نصها, فإن كانت المقالة دعاء فما هو هذا الدعاء.؟ ألم يسمع أبو هريرة المقالة,؟ ألم يحفظها.؟ أنسيها.؟ أم هي تمتمة سر من الأسرار.؟ ألم يقل الراوي أنه لم ينسى أبدا؟,- وبعد أن يتم إشباع الثوب بالمقولة ينتهي "الرسول" من سحره، فيرد أبو هريرة الثوب إلى صدره، وينتهي الأمر، فلا ينسى أبو هريرة بعد ذلك أبدا...,- ويبدو كما تكرر سابقا بأن أبا هريرة رغب أن لا تلاحقه تهمة (الاكثار) فيكون وصفا يلازمه، فجعل من السحر دريئة تدفع عنه تهمة الإكثار وتجعل منه راوية الإسلام، دون غيره، لتميزه عن غيره بكونه لا ينسى أبدا,- ولم نجد الرسولَ قد مارس هذه الشعوذة مع أحد من الصحابة كعلي أو عبد الرحمن أو سعد أو عمر أو أبي بكر، إلا مع أبي هريرة وبمعزل عن أي شاهد.. شعوذة لم تصل للمسلمين إلا عن طريق المشعوذ عليه,- أما كان أولى برسول الله، أن يفعل لنفسه ما فعله لأبي هريرة فلا ينسى شيئا؟،- جاء في صحيح البخاري:- (ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني),- وفي رواية لأبي هريرة في صحيح البخاري:- (أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما فخرج إلينا رسول الله فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب فقال لنا مكانكم ثم رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر فكبر فصلينا معه),-
↵ وأما قوله: (فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا),- فحسنا إذا: ما هي المقالة التي كان يقولها على الثوب؟ وأمام من؟ ومن كان من الموجودين؟ وفي أي مكان كانت المقالة.؟,- القضية ليست قضية أيمان وقسم وحلفان.. القضية قضية حقائق ووقائع,- ناهيك عن استدرار العاطفة في الحكاية الشعبية من كون الراوي مسكينا لا يملك إلا مئزرا عليه.. ثم إنه لأفضل من المهاجرين والأنصار معا,- من صحيح البخاري عن أبي هريرة:- (قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: (لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إلا الله خالصا من قبل نفسه),- وفي هذا الحديث يضع أبو هريرة نفسه في المحل الأول من الصحابة الحريصين على تعلم أحكام الدين، مع كونه جاء متأخرا جدا، وفي فترة مليئة بالأحداث الخطيرة التي مرت بها الدعوة الإسلامية، والتي دلت الوقائع التاريخية على أن المهاجرين والأنصار كانوا ألصق فيها برسول الله من ظله,- بل إنه يدعي أن رسول الله خصه من دون الصحابة، وخصوصا الفقراء منهم، بكيس عجيب من الطعام لا ينفذ، فقد روى الترمذي واحمد عنه قوله:- (أتيت النبي بتمرات، فقلت: يا رسول الله: ادع الله فيهن بالبركة، فضمهن، ثم دعا لي فيهن بالبركة، وقال: (خذهن واجعلهن في مزودك هذا، أو في هذا المزود، كلما أردت أن تأخذ منه شيئاً، فأدخل فيه يدك، فخذه ولا تنثره نثرا)، وقد ذكر أبو هريرة أنه ظلّ يأكل من ذلك التمر زماناً طويلاً، واستمرّ حتى يوم مقتل عثمان),-
↵ وأما قوله: (والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم شيئا أبدا: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى إلى قوله الرحيم)),- فقد خالف قوله هذا وكتم ولم يحدث وخالف كتاب الله, فمن صحيح البخاري, قوله:- (حفظت من رسول الله وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم),- ومن مسند أحمد:- (قيل لأبي هريرة أكثرت أكثرت قال فلو حدثتكم بكل ما سمعت من النبي لرميتموني بالقَشْع ولما ناظرتموني),- فإذا كان الوعاء الثاني عن الرسول وعاء حقيقي، ثم لم يقم أبو هريرة ببثه، فهذا يعني خيانة الأمانة في دين الإسلام بل والشك في كل ما بثه في وعائه الأول,-
↵ فأبي هريرة رجل صحب النبي سنتين أو ثلاثاً يروي أكثر من ثلاثة آلاف حديث، وسعد بن أبي وقاص صحب النبي 23 سنة يروي فوق المئة فقط، والطلاب هم الطلاب، وكلاهما مدنيان، وسنة الوفاة واحدة، وسعد من أول من أسلموا، وأبو هريرة من آخر من أسلمو.. وليس معروفاً عن سعد أنه يمتنع عن الحديث، فلماذا انهال رواة التابعين على أبي هريرة وتركوا سعد بن أبي وقاص البدري؟,- (هل هو الرضا السياسي),- سعد بن أبي وقاص كان يعاند سياسة معاوية، وينكر عليه، ويذكره بفضائل علي ويمتنع من سبه، فموقفه السياسي قلل رواته وأحاديثه بعكس أبي هريرة,- ومثله أسماء بنت أبي بكر من السابقين الأولين في الإسلام وأخر المهاجرات وفاةً 73 هـ حتى بلغ عمرها مائة سنة, أبنة ابو بكر وأخت أم المؤمنين عائشة وأخوها عبدالرحمن وزوجها الزبير بن العوام وابنائها عبدالله وعروة, وغيرهم من المقربين من رسول الله, وعلى ذلك ورد عنها روايات قليلة, في البخاري ومسلم لها إثنان وعشرون حديثًا. فهل يعقل ذلك؟!,- ومثله أبو حميد الساعدي الذي توفي (بعد عام 60 هـ)، بعد أبي هريرة بثلاث سنوات، وسبقه إلى الإسلام، بل كان من البدريين، ومع ذلك لم يرووا عنه سوى ثلاثة أحاديث.. فهل يعقل أن يصحب رجل رسول الله كل تلك المدة، ويرى بدرا وأحدا والأحزاب، وغيرها كثير، ومع ذلك لا يروي إلا ثلاثة أحاديث.؟,- ومثله أم سلمة زوج النبي- التي توفيت بعد أبي هريرة بأربع سنوات (سنة 61 هـ)، ومع ذلك لم ترو سوى 158حديثا.. مع أنها كانت من السابقين للإسلام، وهاجرت للحبشة، ثم عادت مع زوجها أبي سلمة، وتحاصرا في الشعب مع بني هاشم، وسبب ذلك التقصير في الرواية عنها هو موقفها المتشدد من معاوية,- ومثله صالح شقران مولى النبي الذي توفي بعد أبي هريرة بثلاثة عشر عاماً (توفي عام 70 هـ)، ومع ذلك لم يرووا عنه سوى حديث واحد فقط، رغم أنه بدري، ومولى للنبي، والمولى أقرب من غيره, وسبب ذلك بسيط، وهو أن صالحا كان قد قاتل مع علي بصفين، وكل ذلك ساهم في إماتة حديثه وسيرته، وكل تلامذة أبي هريرة بقوا في المدينة، وقد انقطع حديث أبي هريرة بموته، فلماذا لم يبحثوا عن صحابة كشقران؟
↵ وأكثر الروايات الواردة عن أبي هريرة رواها أبو سلمة بن عبد الرحمن، وكان مقربا لمعاوية، بل كان يعمل شرطياً وقاضياً لمعاوية ومروان. وقد روى من حديث أبي هريرة أكثر من سعيد بن المسيب على الرغم من كونه صهرا لأبي هريرة، ومع أنه أقدم صحبة لأبي هريرة منه، وماتا في سنة واحدة (94هـ), وسبب ذلك بسيط، وهو سعيد بن المسيب لم يكن مقربا من معاوية، بل كان يدعو على بني مروان في سجوده،-
• وعلى خلاف سعيد بن المسيب نرى الزهري يشتهر أكثر من غيره من التلامذة, وذلك أن الزهري كان مقربا، بل (عمل في بلاط عبد الملك ثم الوليد ثم سليمان ثم يزيد بن عبد الملك ثم هشام، وكتب حديثه في بلاط هشام بن عبد الملك، ورواته موالي هشام.. ونصف الحديث في الكتب الستة يكاد يكون عن الزهري وتلامذته كشعيب بن أبي حمزة ويونس بن يزيد الأيلي وعقيل بن خالد (كلهم موالي لبني أمية),-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◄ ولقد عوّدنا أبو هريرة أن نسمع عنه أحداثا لم يحضرها، في مكة قبل الهجرة والأيام الأولى من الهجرة,- ومع ذلك فقد ساهم بروايات لا تحصى, بل من كثرها والتشكيك في سماعها قال البخاري في صحيحه:- (وقال أبو هريرة صليت مع النبي غزوة نجد صلاة الخوف؛ وإنما جاء أبو هريرة إلى النبي أيام خيبر),- وقولهم تدليس الصحابة كثير ولا عيب فيه فتدليسهم عن صاحب أكبر منهم والصحابة كلهم عدول, قولا لا يستقيم,- فأبا هريرة لا يروي فقط أقوالا، بل يضيف إليها مواقف حصلت له، مع أنها لم تحصل.. فهو يصدر معظم رواياته بقوله: قال رسول الله أو سمعت، أو حدثني دون أن يكون سمع من النبي أو تحدث معه.. بل إنه فوق ذلك روى مشاهد كثيرة لم يحضرها، وهذا حال معظم الصحابة,- من صحيح البخاري:- (أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول. تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني)، فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول الله؟ قال، لا، هذا من كيس أبي هريرة),- هنا يسوق الحديث من دون بيان ما هو من كيسه، وما هو من عند رسول الله، إلا إذا سأل!,- ومن مسند أحمد:- (حدثني قزعة أنه سمع أبا سعيد الخدري يحدث عن رسول الله قال فأعجبني فدنوت منه وكان في نفسي حتى أتيته فقلت أنت سمعت من رسول الله قال فغضب غضبا شديدا قال فأحدث عن رسول الله ما لم أسمعه نعم سمعت رسول الله يقول لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى),- ومن مسند أحمد:- (قال أبو أمامة قال رسول الله لي: «لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله». فقال له خالد: يا أبا أمامة أنت سمعت هذا من رسول الله؟ فقال: اللهم غفراً ، أنت سمعت هذا من رسول الله - بل كنا في قوم ما كذبونا ولا كذبنا),- ومن مسند أحمد:- (عن ثابت البناني قال سألت ابن عمر فقلت أنهي عن نبيذ الجر فقال قد زعموا ذاك فقلت من زعم ذاك النبي قال زعموا ذاك فقلت يا أبا عبد الرحمن أنت سمعته من النبي قال قد زعموا ذاك قال فصرفه الله تعالى عني يومئذ وكان أحدهم إذا سئل أنت سمعته من النبي غضب ثم هم بصاحبه),- ومن مسند أحمد:- (شك عبيد الله بن زياد في الحوض فأرسل إلى زيد بن أرقم فسأله عن الحوض فحدثه حديثا مونقا أعجبه فقال له سمعت هذا من رسول الله قال لا ولكن حدثنيه أخي),- ومن مسند أحمد:- (عن البراء قال ما كل الحديث سمعناه من رسول الله كان يحدثنا أصحابنا عنه كانت تشغلنا عنه رعية الإبل),-
• والرواية بـ(عن) وليس بـ(سمعت) الرسول حدثت في (953 حديثا) من أحاديث البخاري يُضْرَبُ الصفح فيها الصحابي الفلاني فيقول: (عَنْ النَّبِيِّ قَالَ ..),-
↵ ولئن أجيز نقل صحابي عن آخر، دون الدخول بالتفاصيل،- أليس من تقوى الصحابي، أو أقرب للتقوى، أن يذكر عمن نقل.؟,-
◄ ولقد عوّدنا أبو هريرة كذلك أن نسمع: (والذي نفسي بيده) في الحكايات والغرائب،- ولا عبرة في قسم ينطلق مخالفا تعاليم الإسلام, وقد يتخذ المنافقون الأيمان دريئة ليصدوا عن سبيل الله: ((وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ)),- ((اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ)),- كما عوّدنا كذلك على سماع: (اقرأوا إن شئتم..), فكلما أراد أن يؤكد أمرا ذا أهمية لديه بالغة أردفه بـ(اقرأوا إن شئتم..), ومن يتأمل الآيات التي يستدل بها على الروايات التي يسوقها يجدها لا تتضمن ما يتقول به, بل كمن يستقطع جزء من آية ويبني عليها القصص والحكايات,-
↵ وقاص المدينة أبو هريرة، ذو أسلوب قصصي راق جدا ومميز، بل يصح أن نعتبره أول قاص في الإسلام, يعود هذا لرغبته في إرضاء جمهور المحيطين به، الذين يميلون للحكايات والقصص الغريبة التي ترضي الخيال، وإن كانت تتصارع مع العقل,- من صحيح البخاري:- (أخبرني الهيثم بن أبي سنان أنه سمع أبا هريرة وهو يقص في قصصه وهو يذكر رسول الله إن أخا لكم لا يقول الرفث),- ومن صحيح مسلم:- (عن أبي بكر قال سمعت أبا هريرة يقص يقول في قصصه من أدركه الفجر جنبا فلا يصم),- والأسلوب القصصي لا يتناسب مع الموضوعية العلمية، لتطلبه أدوات جذب أذن السامع,- ويتميز الأسلوب القصصي بجنوح هوى نفس القاص وإضفائه ميوله على القصة، وتحرر القاص من الالتزام بالموضوعية كأن يكرر التعبيرات التي تشد أسماع السامعين، بصيغ تشويقية شتى، أو يحذف بعض الجمل أو يُلحق من عنده ما لم يتلقه,- وقصص كثيرة جدا، رواها أبي هريرة، وأكثرها يتعلق بالإسرائيليات الإيمانية، والمستقبليات ضمن باب القصص والحكايات والأمثال,- وأبو هريرة في هذا يشبه ذلك الصحفي اللاهث وراء جمع أكبر قدر من المعلومات المرتبطة بالحادثة التي يريد الحديث عنها من دون التحقق منها، لأن هدفه الوصول إلى الخبر، وإمتاع فضول السامع،- روى في كل شيء تقريبا وساهم في تحريف العقائد الإسلامية، وتقريبها من الأسطورة والخرافة وقيم الجاهلية, والتي كان لها إفرازاتها الخطيرة على المسلمين من قوانين الحياة، وسنن الله في الأكوان والمجتمعات.. كما كان لها إفرازاتها الخطيرة على السلوك الإسلامي,-أبا هريرة بالذات الذي تصدر لرواية حديث رسول الله. فلم يبق مجرد شخص عادي، تحرم غيبته.. بل إنه صار نائبا أو ناطقا رسميا باسم رسول الله,- وهذه الوظيفة الخطيرة التي تولاها وتلك السموم التي تشوه الدين تشويها تاما، لم تترك مجالا من مجالات الدين إلا حرفته عن مساره,-
◄ بداية:- الصحابة فيهم أتقياء وأولياء لله صالحين واكثرهم مغمورين جنودا للحق مجهولين,- وفيهم كثير غير ذلك منافقون,- ((وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ)), منهم, اي أن بعضهم كان مسلما ولم يكن مؤمنا, وبعضهم كان كافرا ومنافقا لرسول الله, ومنهم من انقلب على عقبيه بعد وفاة الرسول, أصلي وأسلم عليه,- ((لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)),- ورضا الله تعالى ليس مطلقا، لوجود النكث: ((إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)),-
↵ أما في حياة الرسول, فقد كانت طائفة من الصحابة يبدلون أقواله بمجرد أن ينصرفوا من عنده: ((وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً))النساء81,- وفي الصحابة منافقين مردوا فأتقنوا التمثيل بحيث لم يكن الرسول يعلمهم الله يعلمهم: ((وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ))التوبة101,- وكان منهم من يتهرب من الرسول ويتهكم عليه: ((وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ))محمد16,- ومنهم من يتركونه لأجل عرض من الدنيا: ((وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ))الجمعة11,- ومنهم من يتخلف عن الجهاد معه: ((وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ))التوبة49,- ومنهم من يتخلف غن القتال ويرغب بنفسه عن نفس رسول الله: ((مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ))التوبة120,- ومنهم من يكذب ويقول بيوتنا عورة حتى لا يقاتل مع الرسول دفاعا عن المدينة: ((وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا))الأحزاب13,- ومنهم من يروج للفاحشة ويرجم المحصنات المؤمنات الغافلات: ((إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ))النور15,- ومنهم من يحادد الله ورسوله: ((وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَاداً لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ))التوبة107,-
↵ وكل هؤلاء لم يكن الرسول يعرفهم جميعهم وإن كان يعرف البعض, بينما فقهاء الحديث أراحوا أدمغتهم وقالوا بأن كل الصحابة عدول وأن مئات الآيات تتحدث فقط عن نفاق ابن سلول وثلة قليلة معه,- ولئن كان النفاق قد نجم في عهد رسول الله, فما بال أقوام يرفضون وجوده من بعده.؟,- على أن رسول الله لم يُخدع بالمنافقين وبمخططاتهم فهدم مسجدهم ولم يخرجهم معه للقتال ولم يصل على أحد منهم مات, ولم يستغفر لهم, إذ كانت تعليمات السماء تترى تنبه, وتدل وتنير طريق المسلمين وفكرهم, مؤَسِسَةً لهم قواعد صريحة لاكتشاف المنافقين واتخاذ الاحتياطات الضرورية للتعامل معهم والحذر منهم, فَـسوَر: المنافقين, والأحزاب, والتوبة تثري موضوع اليقظة لخطورة النفاق, ضمن قواعد معرفية, تضمن معرفة المنافق من بين أظهر المسلمين ـ قواعد وأسس ناجعة تشمل كافة إجراءات الحيطة والحذر,-
↵ هذا حال المنافقين والرسول حيٌّ بين أظهرهم,- وقبيل عام "تقريباً" من وفاته كانت غزوة تبوك ونزول سورة التوبة تباعاً تنبئ عن احوال المنافقين في المجتمع الإسلامي,- فهل إرجافات المنافقين بعد إنقطاع الوحي انتهت, أم كثرت, وكادت, ومردت, وخبثت.؟,- وزعامات قريش الذين أضطروا للدخول في الإسلام عام الفتح, قريش الذين مكرهم لتزول منه الجبال, هل تنازلوا عن الزعامة.؟ هل رضوا هل أستكانوا.؟ ماذا فعلوا.؟ وماذا جنوا.؟,- وأهل الديار التي فتحث وسلبت ونهبت وسبيت وإحتللت, ماذا فعلوا, هل يعقل أنهم أستكانوا.!؟,- ويهود خيبر وبني قينقاع وبني النظير وقريظة الذين قتلوا وسلبوا وهجروا هل يقال تقوقعوا في جحورهم.؟,- ونصارى المباهلة, ويهود جزيرة العرب, سبأ وحمير ودوس واليمامة غطفان وكنانة ونجران ودومة الجندل وغيرهم .. الذين أجلاهم عمر وهجرو من ديارهم,- احقاد يهود ومكرهم ودسائسهم, أين ذهبت.؟ وبماذا ردو.؟ هل فعلوا أم استكانوا.؟,- هل خُدِعَ المسلمون بعد وفاة الرسول بالكثير من منافقي المدينة ومن حولها ومن أهل الكتاب من متعلمي وافدي اليمن, وثاقفي موالي العجم.؟,-
◄ أما بعد وفاته, أصلي وأسلم عليه,- وكما في كتب التراث, والذي مهما بلغ تواترها فلا نؤمن بصدقيتها, وننتقد الأسماء كما جاءت في التراث لا الشخص نفسه:- فبعد وفاته: ترك رسول الله ميتا بلا دفن يومين تقريباً للتصارع على الملك,- وخصومة نشبت بمجرد وفاة النبي بين أبو بكر وعمر من جانب، وعلي بن أبي طالب وفاطمة على الجانب الآخر حول الميراث والبيعة,- ونشوب القتال مع بعض القبائل التي منعت الزكاة، وقُتِل مئات الصحابة في تلك الحروب,- السماح لعصابة من فسقة السلف أن تقتل عثمان بن عفان وأن تنجوا بفعلتها,- ومن ثم التصارع على الملك بالقتل أو بالسماح بالقتل فقتل الآف من الصحابة بسيوف بعضهم البعض في معركتي الجمل وصفين, والله تعالى يقول: ((وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً)) ــــ فكيف إذا قتله متعمدا؟!،- ((وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)),- وحسب تراثهم حكم الله عليهم بالخلود في النار,- من صحيح البخاري, تواليا:- (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر),- (من حمل علينا السلاح فليس منا),- (لا ترتدوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض),- (إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فكلاهما من أهل النار),-
↵ والمتلاعنين بعد اللعان يكون الفسق قد لحق بأحدهما من غير تعيين لأيهما، لذلك لا تقبل شهادتهما في أي قضية أخرى، ومعارك القرن الأول بين المسلمين لا حصر لها ولا عدد,- فكيف نأخذ برواية الصحابي منهم وهل هو يكون من العدول.؟، أم هو من أهل الميل.؟،- ودارت الشكوك الكبيرة في مهاجمتهم الدول وقتلهم ونهبهم وسبي النساء ووطئهن بلا عقود نكاح. وسرقة الدور والقصور باسم أنها غنائم, وتوزيع البشر والاطفال غنائم كعبيد وتشريد عائلات,- ورجموا الكعبة بالمنجنييق, وتم صلب عبد الله بن الزبير أمام الكعبة,- وندرة مودة الصحابة وكبار التابعين لأهل قرابة النبي,- وفي أمور أخرى مشتركة كانت بين منافقين وغير منافقين.... فأين كان القرآن, وأين كانت تعاليم الرسول لهم وهم يمارسون تلك الأفعال.؟,-
◄ وفي التراث مؤشرات على جرح (الصحابة),- فمن صحيح البخاري:- (ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه فالمعصوم من عصم الله تعالى),- وهذا الحديث يَرُدُّ على من يقول أنَّ كُلَّ الصحابةِ عُدُول, القاعدة التي تم صناعتها كأداة متممة لصناعة الحديث النبوي, القاعدة التي انتهج فيها العلماء مناهج مختلفة فلم يُتـَّفقوا على تعريف واحد,- وحين ظهر الكذب في عهده كان ظهوره دافعا إلى التشنيع بقوله في حديث متواتر: (من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار),- ومن صحيح البخاري:- (قال حدثني عبد الله بن يزيد قال حدثني البراء وهو غير كذوب),- أحد الصحابة يصف صحابيا آخر (البراء بن عازب) بأنه غير كذوب, وهذا يعني ان هناك صحابة آخرين كاذبين,- ومن سنن أبي داود:- (حدثني أبو عامر أو أبو مالك، والله يمين أخرى ما كذبني، أنه سمع رسول الله يقول ليكونن من أمتي أقوام، يستحلون الحر والحرير وذكر كلاما قال يمسح منهم آخرون قردة وخنازير الى يوم القيامة قال أبو داؤد وعشرون نفساً مِن أصحاب رسول الله أو أكثر لبسوا الخَزَّ، مِنهم أنس والبراء بن عازب),- ومن صحيح البخاري:- قصة الإفك الشهيرة ضد الصديقة عائشة.. وأن الرجال في العهد النبوي كان منهم الصالح ومنهم ما دون ذلك,- ومن صحيح البخاري:- (سمعت عليا يقول بعثني رسول الله أنا والزبير والمقداد بن الأسود قال انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها فانطلقنا تعادى بنا خيلنا حتى انتهينا إلى الروضة فإذا نحن بالظعينة فقلنا أخرجي الكتاب فقالت ما معي من كتاب فقلنا لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ..),- إذن هي خيانة أحد الصحابة,- ومن مصنف ابن أبي شيبة:- (عن حذيفة قال: المنافقون اليوم شر من الذين كانوا على عهد رسول الله، قال قلت يا أبا عبد الله وكيف ذاك قال إن أولئك كانوا يسرون نفاقهم وإن هؤلاء أعلنوه),-
↵ وروايات لا حصر لها, وسيأتي معنا الكثير منها لاحقا,- ويكفينا الآن ما ذكره الله تعالى في كتابه عن أحوال المنافقين والمشركين والنصارى واليهود,-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◄ يهود الذين قص الله علينا من أنبائهم مرارا وتكرارا, فتعرفنا على حيلهم ومكرهم على الرسل وتحريفهم لكلام الله,- وبعد وفاة الرسول, زعم اليهود بأنهم قتلوا رسول الله بذراع شاة مسمومة, كأنتقام, وأنهم قتلوا أبا بكر بأرزة أو جذيذة,- وأخفوا تآمرهم عن طريق كعب وأبي لؤلؤة بقتلهم عمر في ليل بهيم, وقتلوا عثمان عن طريق كعب والنفر اليهود الناقمين القادمين من اليمن, وقتلوا عليا عن طريق ابن ملجم ذلك القادم من اليمن أيضا,- هم من بذروا بذور الفتن والخديعة واقتتال المسلمين والتشكيك بما لديهم بعد استيلاء الفكر التوراتي، كدين مواز على فكر المسلمين، فحصدوا الشقاق والحروب والاضطراب,- فالفتن وقتل الأنبياء وقتل المصلحين في الأرض، وتجار الحروب، والكسب الحرام... صفات رئيسة من صفاتٍ يهود وعلى مر الأيام والأزمنة,-
↵ وكان من أوائل الغازين بعد وفاة الرسول أبو السموأل الجليلي, جـاء في (الإصابـة) لابن حجر:- (أدرك الجاهلية، وأدرك النبي ولم يسلم وأسلم في عهد أبي بكر),- ثم قال ابن حجر: أن أبا مسلم الخولاني سأل أبا السموأل الجليلي: (فما حملك على الإسلام اليوم قال يا أبا مسلم إني قرأت في كتاب الله أن هذه الأمة تصنف يوم القيامة على ثلاثة أصناف صنف يدخلون الجنة بغير نجاسة وصنف يحاسبهم الله حسابا يسيرا وصنف يؤخذ بهم ما شاء الله ثم يتجاوز الله عنهم فنظرت فإذا الصنف الأول قد مضى فرجوت أن أكون من الثاني وألا يخطئني الثالث فأسلمت... وقال في الصنف الثالث أوزارهم على ظهورهم فتقول الملائكة هؤلاء عبادك كانوا يوحدونك فيقول خذوا أوزارهم فضعوها على المشركين فيدخلون الجنة)، ثم تابع ابن حجر: (كان أبو مسلم الجليلي قد بعث كعباً إلى النبي فلم يدركه),- فوصل كعب الأحبار المدينة في عهد عمر، ليبدأ هو الآخر دورا في إطفاء نور الإسلام والعمل على ملأ ثقافة المسلمين بالثقافة اليهودية تارة وبقصص مختلقة ما أنزل الله بها من سلطان,- جاء في الكنى للبخاري:- (أبو مسلم الجليلي معلم كعب الأحبار)،- ولهذا فقد أسلم الجليلي لِيُسَـلِّمَ الأمانة القذرة لكعب الأحبار فيدله على ثغرات سرية مشيراً إلى الرجال القابلين للتعاون معه، بعيداً عن عين الرقيب,- على أن النص الذي أورده أبو السموأل هو أبكر اختراق فكري يهودي للثقافة الإسلامية، نص يدعو إلى الاسترخاء المبطن وتهريم المجتمع، ويجعل دخول الجنة على التوهم والأماني،- وما كان الجليلي لِيُسْـلِمَ لولا رغبته في تأسيس مدرسته وبطانته من إعداد كعب وغير كعب إعداداً يمنحهم الخبرة الواسعة في صناعة مثل هذا الكذب القابل للتصديـق الجماهيري، وتعليمـهم الأسس والقواعد العامة لِشَـلِّ المَدِّ الإسلامي وإيقاف الحضارة العالمية الجديدة عن طريق مزيجٌ من النصوص والقصص الخرافية المزيفة,-
◄ والباحث في التراث يعاين وبوضوح مثل هذا الكم الهائل من الاختراقات الثقافية التي شوهت كتب التراث، باستيلاء الفكر التوراتي، كدين مواز على فكر المسلمين، والكثير منها على منوال دسيسة أبي السموأل, الذي بدء بتغيير الكثير من دين الإسلام مع بداية ظهورة وإنتشاره,- فكانت الطريقة/ أخذ آية, أو جزء من آية, وبناء القصص والأوهام المستساغة عليها, كما يفعل أحبار يهود وكهنة النصارى بكتبهم,- وقد غفل المسلمون عن فريضة تدبر آيات القرآن العظيم, للأسف, أو لم يتشبعوا بما لديهم, فتنطع بعضهم فبحث عن تفسير الآيات بالرأي, وقال بعضهم قد نجد لها خبر عند أهل الكتاب, فكانوا على تواصل وتبادل العلوم ليتلقفوا الإسرائليات والعقائد الفاسدة ثم تحشر بعد ذلك منسوبة الى رسول الله,- من صحيح البخاري, رواية توضح مدى النشاط اليهودي والنصراني المكثف الذي جعل المسلمين يسألون أهل الكتاب:- عن عبد الله بن عباس قال: (يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه أحدث الأخبار بالله تقرءونه لم يشب وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب فقالوا هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم ولا والله ما رأينا منهم رجلا قط يسألكم عن الذي أنزل عليكم),-
• ومن صحيح مسلم:- (أن أبا قتادة حدث قال كنا عند عمران بن حصين في رهط منا وفينا بشير بن كعب فحدثنا عمران يومئذ قال قال رسول الله الحياء خير كله قال أو قال الحياء كله خير فقال بشير بن كعب إنا لنجد في بعض الكتب أو الحكمة أن منه سكينة ووقارا لله ومنه ضعف قال فغضب عمران حتى احمرتا عيناه وقال ألا أراني أحدثك عن رسول الله وتعارض فيه قال فأعاد عمران الحديث قال فأعاد بشير فغضب عمران قال فما زلنا نقول فيه إنه منا يا أبا نُجَيْد إنه لا بأس به),- وهذا هو بشير بن كعب، الذي تخفى واجتاز حدود الجرح، بإظهاره الزهد,- وهو قد أنفرد بحديث سَيِّدُ الاسْتِغْفَارِ كما في صحيح البخاري، وعبارة فيه شذت بقول: (من قالها من نهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها ..),- وفي فتح الباري: (يحتمل أن يكون هذا من قوله), أي من قول بشير, وهذا يعني أن بشيراً أدرج من عنده نصاً لم يسمعه من الصحابي شداد بن أوس، ولبشير هذا أربعة تلاميذ وهؤلاء التلاميذ الأربعة حَمَّلوا أربعة وأربعين ومائة تلميذ.. وهكذا تشابهت أبواق الإعلام القديم، وأبواق الإعلام الحديث,- إنه النشاط الإعلامي اليهودي في الكوفة والبصرة خصوصاً، والذي تمخض عن وجود الإسرائيليات كحقيقة واقعة, حينما كانوا يتداولون الحديث تداولاً شفهياً حتى ما يقارب سنة 150هـ،- من صحيح البخاري:- (نظر أنس إلى الناس يوم الجمعة فرأى طيالسة فقال كأنهم الساعة يهود خيبر),- وكان ذلك في مسجد البصرة, ويدل على اختراق كبير لدين المسلمين بدء مبكرا,-
• ومن سنن الترمذي:- (أن ابن عباس وعمرو بن العاص اختلفا في قراءة هذه الآية وارتفعا إلى كعب الأحبار في ذلك فلو كانت عنده رواية عن النبي لاستغنى بروايته ولم يحتج إلى كعب),- وهذا الخبر إن صح من أن ابن عباس وابن عمرو قد اختلفا في قراءة حمئة، فالأمر إلى هنا مقبول، ولكن أن يحتكما كلاهما إلى من كان حبرا من أحبار يهود في قراءة القرآن، فهذا ما يفسر ما ذكرناه,- وعبد الله بن عمرو قد أصاب يوم اليرموك زاملتين من كتب أهل الكتاب فكان يحدث منها كما ورد في كثير من كتب التاريخ،- وأما عبد الله بن عباس، فقد أورد له الطبري في تفسيره مئات من الإسرائيليات مما يؤكد معرفته بها,- وجاء في مشكل الآثار للطحاوي:- (عن ابن عباس قال: "قرأ معاوية في الكهف (وجدها تغرب في عين حامية) فقلت: إنا نقرؤها {حمئة} فسأل معاوية عبد الله بن عمرو عنها فقال: كما قرأتها قال ابن عباس: فقلت: "في بيتي نزل القرآن" قال: فبعث معاوية إلى كعب يسأله أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ قال: في ماء وطين),- وهنا نرفق معاوية, الذي طالما ساعد احبار يهود وكهنة النصارى واعداء الدين على الفرقة وتحريف الدين, بعلمه أو بجهله,-
↵ ومن صحيح البخاري:- (كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليكم الآية),- فهذه الرواية تطلب أن لا نكذب قول أهل االكتاب.!,- من سورة آل.عمران181: ((لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ ..)),- وهذه الرواية تطلب أن لا نكذب قول يهود.!,- ومن سورة المائدة17: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ)),- ومن سورة المائدة73: ((لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)),- ((إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ))النمل,-
↵ وكل ما ورد في القرآن عن بني إسرائيل يختلف اختلافاً كاملاً عما ورد في الإنجيل والتوراة الحاليين من إسرائيليات مليئة بالكذب والخبائث,- وموقف القرآن الهجوم على أفعالهم وأخلاقهم وقتلهم الأنبياء، وتحريفهم الكلم,- ثم بعد ذلك نرى كثيرا من النصوص التوراتية والتلمودية، المتعلقة بقصص الأنبياء والخلق تتكوَّم بزخم، في أكبر تفسير موسوعي للقرآن يُعتبر كقدوة صالحة لكثير من التفاسير اللاحقة، أعني تفسير الطبري،- تلك النصوص الذي تُعالج الآيات القرآنية اتكاء على شخصيات مرموقة من أهل الكتاب أو، باتكاء على مجاهيل تحت عناوين مختلفة: (فيما بلغنا عن أهل الكتاب من أهل التوراة وغيرهم من أهل العلم)، أو (ويقول بعض أهل العلم بالكتاب الأول..)، تتكوَّم بالعشرات بترجمة عن العبرية، مطابقة تماما للنصوص التوراتية.!,-
↵ إن اكثر ما وجد مقنع لعقول بعض السلف أقوال وتفسيرات لكعب الأحبار,- فقط سنوات قليلة عاشها كعب بين المسلمين ضخ فيها كم هائل من الإسرائيليات الى ان توفي سنة ٣٢ه,- بعد أن غش المسلمين ونشر الكثير من الأوهام الكاذبة والمزيفة، ولهذا وصمه معاوية بالكذب، وقال له عمر: إنك لم تزل على يهوديتك! بينما كذبه ابن عباس، وشتمه أبو ذر!,- كعب الأحبار الذي قدم ضمن وفود اليمن في خلافة عمر للانضمام إلى الجيوش الاسلامية في الفتوحات، قدم من اليمن وعمره 85 سنة، بعد ان عاش في ظل اليهودية حَبْـراً من أحبارهم حتى بلغ من العمر أرذله، فمنعه عمر من أن يحدث الناس وذلك في سنة 15ه قائلاً له:- (لتنتهين عن التحديث أو لألحقنك في أرض القردة), كما عند ابن حجر في الإصابة,- وتكاد لا تجد كتابا من كتب المسلمين لا ترى فيه اسم كعب الأحبار، رائد النشاط السري اليهودي في الغزو الفكري, حتى في الأدعية تجد كعبا في دعائه الذي جاء في مسند البزار:- (قال كعب: إنا لنجد في التوراة أن نبي الله داود كان إذا انصرف من صلاته قال : اللهم أصلح لي ديني الذي جعلته عصمة أمري...),- ثم تحول هذا الدعاء إلى رواية حديثية, عن رسول الله بفضل رواة الكوفة والبصرة, كما في صحيح مسلم:- (اللهم أصلح لى دينى الذى هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي ..),- وكيف يكون إصلاحٌ شيْ، إن لم يكن لهذا الشيء نقص أو عطل أو تخريب!، وقد أكمل الله دينه.!,- وفي مصنف ابن أبي شيبة:- (عن كعب قال: والذي فلق الحبة والنوى لبني إسرائيل أن في التوراة مكتوب يا ابن آدم اتق ربك وابرر والديك وصل رحمك أمد لك في عمرك وأيسر لك يسرك وأصرف عنك عسرك),- ثم تحول قول كعب إلى رواية حديثية عن رسول الله, في البخاري:- (من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه),- والقائمة تطول!!,-
◄ ولقد أتهم كبار الصحابة كعب الأحبار، بالكذب،- من صحيح البخاري:- (باب قول النبي لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء)، أن معاوية يحدث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعب الأحبار فقال: (إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين يحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلوا عليه بالكذب),- وهكذا كذبه عمرو بن العاص، فقد روي أنه مر على كعب الأحبار، فعثرت به دابته، فقال: (يا كعب أتجد في التوراة أن دابتي تعثر بي)الإيضاح43,- وكذبه عمر في ادعائه جلوس الله على قبة الصخرة)تاريخ الطبري,- وعبد الله بن عباس الذي تلقف منه، ورد عنه قوله لرجل مقبل من الشام: من لقيت؟ قال: كعبا. قال: وما سمعته يقول؟ قال: سمعته يقول: إن السماوات على منكب ملك. فقال: كذب كعب، أما ترك يهوديته بعد! ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾)الكافي الشافي لابن حجر,- وفي تاريخ الطبري, وغيره: حين تربع كعب على ديوان عثمان ليقول لأبي ذر: (من أدى الفريضة فقد أدى ما عليه, فما كان من أبي ذر إلا أن ضربه بمحجن كان في يده فشجه, وقال: يا ابن اليهودية ما أنت وما ها هنا..), وفي بيت عثمان!,- وما يدريك– ليس ببعيد على مثل كعب أن يقوم وهو في بيت عثمان بنقل عورات البيت وأخباره إلى أولئك القتلة المتظاهرين بمظهر المعارضين غير الراضين عن سياسات عثمان, في مصر أو في الكوفة أو في البصرة؟,- وإلا فكيف كانت تأتيهم رسائل غاية في السرية يتصرفون بموجبها, حتى أنهم استمالوا إليهم بعض (الصحابة), شأن يهود باستمالتهم في زماننا كثيرا من زعماء العرب والعالم!,- وفي مختصر تاريخ ابن عساكر:- (كان كعب الأحبار يقص فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله يقول: لا يقص إلا أمير أو مأمور أو محتال. فأتي كعب فقيل له: ثكلتك أمك، هذا عبد الرحمن يقول كذا وكذا، فترك القصص، ثم إن معاوية أمره بالقصص فاستحل ذلك بعد),-
↵ يقول أحدهم في كعب:- (وقد راجت دسيسته حتى انخدع به بعض الصحابة ورووا عنه، وصاروا يتناقلون قوله بدون إسناد إليه، حتى ظن بعض التابعين ومن بعدهم أنها مما سمعوه عن النبي، وأدخلها بعض المؤلفين في الموقوفات التي لها حكم المرفوع),- وقال في كعب ووهب بن منبه: (إن شر رواة هذه الإسرائيليات، أو أشدهم تلبيا وخداعا للمسلمين هذان الرجلان فلا تجد خرافة دخلت في كتب التفسير والتاريخ الإسلامي في أمور الخلق والتكوين والأنبياء وأقوامهم والفتن والساعة والآخرة، إلا وهي منهما مضرب المثل),- وقال غيره: (وقد كان أقوى هؤلاء الكهان دهاء وأشدهم مكرا، كعب الأحبار ووهب بن منبه، وعبد الله بن سلام. ولما وجدوا أن حيلهم قد راجت بما أظهروه من كاذب الورع والتقوى، وأن المسلمين قد سكنوا إليهم، واغتروا بهم، جعلوا أول همهم أن يضربوا المسلمين في صميم دينهم، وذلك بأن يدسوا إلى أصوله التي قام عليها ما يريدون من أساطير وخرافات، وأوهام وترهات، لكي تنتهي هذه الأصول وتضعف .. فافتروا ما شاءوا أن يفتروا عليه ويسر لهم كيدهم أن يجدوا الصحابة يرجعون إليهم في معرفة ما لا يعلمون من أمور العالم الماضية),- ومن تاريخ الطبري:- (ثم دخلت سنة خمس وثلاثين هجرية ..... كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء أمه سوداء ... فلم يقدر على ما يريد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر... فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع ويكذب بأن محمدا يرجع وقد قال الله عز وجل إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد فمحمد أحق بالرجوع من عيسى قال فقبل ذلك عنه ووضع لهم الرجعة فتكلموا فيها. ثم قال لهم بعد ذلك إنه كان ألف نبي ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد ثم قال: محمد خاتم الأنبياء وعلي خاتم الأوصياء ثم قال بعد ذلك: من أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ووثب على وصي رسول الله وتناول أمر الأمة؟؟ ثم قال لهم بعد ذلك إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي رسول الله فانهضوا في هذا الأمر،، فحركوه -وابدءوا بالطعن على أمرائكم،، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الناس،، وادعوهم إلى هذا الأمر),-
↵ ومؤشرات كثيرة تشير إلى تخطيط وتعاون بين كعب الأحبار الثمانيني القادم من اليمن مع قاتل عمر، ثم إن تهديد عمر لكعب الأحبار بإعادته إلى اليمن، أرض القردة، ثم إن ما خفي لهو أعظم، كل ذلك يشير بأصبع اتهام ثابتة لكعب الأحبار اليمني القادم من اليمن، الصديق الشخصي لأبي هريرة اليمني الدوسي, القادم من اليمن,-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◄ ولقد شاعت إسرائيليات كعب, وأخوته, وتعلم منه جمعا من الصحابة,- وتعلم منه كثيرا أبا هريرة,- ففي اللقاء الأول بين كعب وأبي هريرة كما في طبقات ابن سعد وسنن الدارمي والمستدرك:- (جاء أبو هريرة إلى كعب يسأل عنه وكعب في القوم فقال كعب ما تريد منه فقال أما إني لا أعرف لأحد من أصحاب رسول الله أن يكون أحفظ لحديثه مني فقال كعب أما إنك لن تجد طالب شيء إلا سيشبع منه يوما من الدهر إلا طالب علم أو طالب دنيا فقال أنت كعب قال نعم قال لمثل هذا جئت),- وهكذا انقلب الحال، فبدل أن يصبح كعب الأحبار تلميذا لأبي هريرة باعتباره صحابيا، صار أبو هريرة تلميذا لكعب، وأن كعبا راح يرغب أبا هريرة في طلب العلم على يديه،- ثم تكررت اللقاءات.. ومنها, كما في موطأ مالك, وغيره:- (لقي أبو هريرة كعب الأحبار، فقال: كيف تجدون رمضان في كتاب الله.؟ فقال كعب بل كيف سمعت (صاحبك) يقول فيه ؟ قال: سمعته يقول: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" . فقال: كعب: وأنا والذي نفسي بيده إني لأجده في كتاب الله عز وجل حطة يحط الله عز وجل به),-
• وفي مسند أحمد:- (عن أبي هريرة قال قدمت الشام فلقيت كعبا فكان يحدثني عن التوراة وأحدثه عن رسول الله حتى أتينا على ذكر يوم الجمعة..),- وربما حصل لقاؤهما في جبل الطور بعد مشاورات واتفاق فيما بينهما، إذ لم يكن اللقاء مصادفة,- من موطأ مالك ومسند أحمد والترمذي وأبو داؤد:- (عن أبي هريرة أنه قال خرجت إلى الطور فلقيت كعب الأحبار فجلست معه فحدثني عن التوراة وحدثته عن رسول الله فكان فيما حدثته أن قلت قال رسول الله خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه أهبط من الجنة وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقا من الساعة إلا الجن والإنس وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه قال كعب ذلك في كل سنة يوم فقلت بل في كل جمعة فقرأ كعب التوراة فقال صدق رسول الله قال أبو هريرة فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري فقال من أين أقبلت فقلت من الطور فقال لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت سمعت رسول الله يقول لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد إلى المسجد الحرام وإلى مسجدي هذا وإلى مسجد إيلياء أو بيت المقدس يشك قال أبو هريرة ثم لقيت عبد الله بن سلام فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار وما حدثته به في يوم الجمعة فقلت قال كعب ذلك في كل سنة يوم قال قال عبد الله بن سلام كذب كعب فقلت ثم قرأ كعب التوراة فقال بل هي في كل جمعة فقال عبد الله بن سلام صدق كعب ثم قال عبد الله بن سلام قد علمت أية ساعة هي قال أبو هريرة فقلت له أخبرني بها ولا تضن علي فقال عبد الله بن سلام هي آخر ساعة في يوم الجمعة قال أبو هريرة فقلت وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة وقد قال رسول الله لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي وتلك الساعة ساعة لا يصلى فيها فقال عبد الله بن سلام ألم يقل رسول الله من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي قال أبو هريرة فقلت بلى قال فهو ذلك),-
↵ وفي هذا الحديث وغيره واضح أن كعبا كان يستغفل أبا هريرة كما يستغفل غيره من المسلمين الذين رضوا بالتلمذة على يديه، فلست أدري أي توراة هذه التي رجع إليها، والتي وجد فيها ما ذكره,-
• وقد يكون بينهما خلافات مذهبية كثيرة، (قبل إعلان إسلامهما)، دوّنت الكتب بعضا منها فعلى سبيل المثال:- لم يصدق كعب الأحبار أبا هريرة في موضوع الفأر الممسوخ، مسخ بني إسرائيل، مما دعا كعبا إلى استفهامه مرارا.؟ مما ألجأ أبو هريرة ليقول لكعب: (أفقرأ التوراة), كما في صحيح البخاري,- وفي صحيح مسلم:- (َعن أبي هريرة قال قال رسول الله إذا أدى العبد حق الله وحق مواليه كان له أجران قال فحدثتها كعبا فقال كعب ليس عليه حساب ولا على مؤمن مزهدٍ),- وهنا نجد كعبا أستاذا لأبي هريرة يستعلمه فيعلمه,- ومرة أخرى لا يصدق كعبٌ أبا هريرة، حينما أخبره عن خبيئة الرسول المتمثلة في الشفاعة لأمته، كما في صحيح مسلم:- (قَال أبو هريرة لكعبِ الأحبار إن نبي الله قال لكل نبي دعوة يدعوها فأنا أريد إن شاء الله أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فقال كعب لأبي هريرة أنت سمعت هذا من رسول الله قال أبو هريرة نعم),- وفي مسند الشاميين للطبراني والحلية لأبي نعيم، (قال أبو هريرة لكعب الأحبار ألا أحدثك عن أبي القاسم قال بلى فتواعدا ليلة قبة من قباب معاوية فاجتمع عليهما الناس فما زال أبو هريرة ليله أجمع يقول قال رسول الله قال أبو القاسم حتى أصبح فلم يزده كعب إلا في ثلاثة أحاديث قال أبو هريرة بينا سليمان بن داود ..),-
• فهما على اختلاف مذهبي حقيقي، كما يبدو للمتتبع لهما، نتيجة لما كان عليه كل واحدا منهما فبل إسلامه,- ولم نجد لكعبا أحاديث تنال من بني إسرائيل، بل امتلأت كتب حديث الدرجة الثانية بكيل كعب المديح لهم،- ولم يكن من مصلحة كعب الأحبار أن ينال من النصارى، حتى ولو بكلمة واحدة،- وبالمقابل، فقد كان أبو هريرة لبني إسرائيل، ولليهود بالمرصاد، من دون هوادة، فجعلهم يزحفون على استاهم في رسم كاريكاتوري غاية في الفن، كما ورد في صحيح البخاري:- (قيل لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقالوا حطة حبة في شعرة.),- ومن صحيح البخاري كذلك تواليا:- (قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.),- (قاتل الله يهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها.),- ومن صحيح البخاري كذلك:- (لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود),- فلم يرض كعب الأحبار فيرد حديث الرسول ويعترض قائلا: هم اثنى عشر لا عشرة،. فيمررها أبو هريرة: كما ورد في مسند أحمد:- (لو آمن بي عشرة من أحبار اليهود لآمن بي كل يهودي على وجه الأرض قال كعب اثنا عشر مصداقهم في سورة المائدة),- وسكت أبو هريرة على جواب صديقه ذي الأصول اليهودية،- ومن صحيح البخاري:- (فقدت أمة من بني إسرائيل لا يدرى ما فعلت وإني لا أراها إلا الفأر إذا وضع لها ألبان الإبل لم تشرب وإذا وضع لها ألبان الشاء شربت فحدثت كعبا فقال أنت سمعت النبي يقوله قلت نعم قال لي مرارا فقلت أفأقرأ التوراة),- وهنا نجد كعبا وجها لوجه مع أبي هريرة، في مقابلة لا يمكن معرفة تفاصيلها، ويظهر جليا الخلاف بين الرجلين، خلاف يبدو بأن له جذور تاريخية عميقة ممتدة تصل إلى الحياة القديمة،- ومن مسند أحمد عن أبي هريرة, تواليا:- (إذا لقيتم اليهود في الطريق فاضطروهم إلى أضيقها ولا تبدؤوهم بالسلام),- (كان رسول الله إذا تبع جنازة قال انبسطوا بها ولا تدبوا دبيب اليهود بجنائزها),- ومن صحيح البخاري:- (إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم),-
↵ في حين سجل أبو هريرة كثيرا من الأحاديث المتعاطفة مع النصارى, كما في صحيح البخاري, تواليا:- (يقول أبو هريرة على إثر ذلك ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط),- (ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها),- (أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد),- (رأى عيسى ابن مريم رجلا يسرق فقال له أسرقت قال كلا والله الذي لا إله إلا هو فقال عيسى آمنت بالله وكذبت عيني),- وحينما استعرض أبو هريرة ذنوب الأنبياء من آدم حيث عصى ربه إلى نوح حيث دعا على قومه إلى إبراهيم حيث كذب ثلاث كذبات حسب ادعاء أبي هريرة إلى أن جاء دور عيسى في الشفاعة فلم يجد أبو هريرة لعيسى من ذنب,- ونستنتج من هذه الأدلة اتجاه أبي هريرة الثقافي والديني قبل إعلان إسلامه من أنه على درجة لا يستهان بها في سلم الكهنوت النصراني أقلها أنه كان قسيسا كبيرا قبل قدومه المدينة,-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◄ وحياة أبو هريرة قبل إسلامه تكاد تكون مجهولة بالكامل، لم نعلم عنها شيئا سوى ما أخبر به أبو هريرة بنفسه عن نفسه،- فقد ولد سنة 18 قبل الهجرة، وقدم المدينة مع انتهاء غزوة خيبر في المحرم سنة سبع من الهجرة،- من سنن ابن ماجة:- (نشأت يتيما وهاجرت مسكينا وكنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطني وعقبة رجلي أحطب لهم إذا نزلوا وأحدو لهم إذا ركبوا فالحمد لله الذي جعل الدين قِواما وجعل أبا هريرة إماما),- وفي سنن الترمذي:- (عن عبد الله بن رافع قال قلت لأبي هريرة لم كنيت أبا هريرة قال أما تفرق مني قلت بلى والله إني لأهابك قال كنت أرعى غنم أهلي وكانت لي هريرة صغيرة فكنت أضعها بالليل في شجرة فإذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها فكنوني أبا هريرة),- وقول أبي هريرة (تفرق مني) أي أتخاف مني! يدل على شخصية قوية لأبي هريرة وعلى ثقته بنفسه، وقدرته على معرفة ميول الآخر وهواه,- وقول عبد الله بن رافع، تلميذ أبي هريرة، له: (إني لأهابك) هو تأكيد على تأثير قوة شخصيته في تلاميذه,- وهذه القوة عبّر عنه أبو هريرة نفسه بقوله في رواية في صحيح البخاري:- (والله لأرمين بها بين أكتافكم),-
• ومن صحيح البخاري:- (أنه لما أقبل يريد الإسلام ومعه غلامه ضل كل واحد منهما من صاحبه فأقبل بعد ذلك وأبو هريرة جالس مع النبي فقال النبي يا أبا هريرة هذا غلامك قد أتاك فقال أما إني أشهدك أنه حر قال فهو حين يقول يا ليلة من طولها وعنائها على أنها من دارة الكفر نجت),- وهذه الرواية تعني وجود ملامح ماض مجيد، وتاريخ راق لأبي هريرة معتم عليه عن عمد، وهو احتمال وارد نظرا لبقاء أبي هريرة طيلة حياته التي رواها عن نفسه من دون عمل يدر عليه تكاليف العيش.. وأن أبا هريرة كان يعيش طبقة اجتماعية عالية الثقافة، رفيعة المستوى، مخدومة من قبل الآخرين، آمرا ناهيا ذا قضية وهدف واعتقاد .. ثم؛ لا منطق في أن تُغطَّى مدة زمنية مقدارها 25 سنة الأولى من عُمْرِ أبي هريرة في رعاية غنم واحتطاب وحداء، ثم يقول لكعب الأحبار فيما بعد: "أفأقرأ التوراة", ويرطن باللغة الحبشية،- ويرطن بالفارسية،.. وهي اللغات العالمية لثاقفي اليمن، وسَراتها في تلك العهود //
↵ من صحيح البخاري:- (أبي هريرة قال قال النبي لا عدوى ولا صفر ولا هامة فقال أعرابي يا رسول الله فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فيخالطها البعير الأجرب فيجربها فقال رسول الله فمن أعدى الأول وعن أبي سلمة سمع أبا هريرة بعد يقول قال النبي لا يوردن ممرض على مصح وأنكر أبو هريرة حديث الأول قلنا ألم تحدث أنه لا عدوى فرطن بالحبشية),- أي أن أبا هريرة هو الذي رطن بالحبشية,- وفي صحيح مسلم:- (حتى غضب أبو هريرة فرطن بالحبشية),- ومن صحيح البخاري:- (أن الحسن بن علي أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه فقال النبي بالفارسية كخ كخ أما تعرف أنا لا نأكل الصدقة),- أي أن أبا هريرة هو الذي قال كلمة "بالفارسية".,- وفي سنن أبي داود:- (بينما أنا جالس مع أبي هريرة جاءته امرأة فارسية معها ابن لها فادعياه وقد طلقها زوجها فقالت يا أبا هريرة ورطنت له بالفارسية زوجي يريد أن يذهب بابني فقال أبو هريرة استهما عليه ورطن لها بذلك),- ومن سنن ابن ماجه:- (فصليت ثم جلست فالتفت إلي النبي فقال اشكمت درد قلت نعم يا رسول الله قال قم فصل فإن في الصلاة شفاء حدثنا أبو الحسن القطان حدثنا إبراهيم بن نصر حدثنا أبو سلمة حدثنا ذواد بن علبة فذكر نحوه وقال فيه اشكمت درد يعني تشتكي بطنك بالفارسية),- وفي صحيح البخاري:- (قال يا بابوس من أبوك قال راعي الغنم),- والبابوس: الولد بالرومية,- ومن صحيح البخاري, كما تقدم قول أبي هريرة:- (أفأقرأ التوراة),-
↵ فهل يعرف أبو هريرة اللغة العبرية والحبشية والفارسية والرومية, إضافة للعربية اليمانية؟، وهي اللغات العالمية التي كانت سائدة في عصر أبي هريرة. فإن كان يعرف هذه اللغات، فأين عرفها وأين تعلمها، ومتى كان ذلك.؟ وإن لم يكن يعرفها فهل عرفها رسول الله.؟,- فأبو هريرة، واضح أنه رجل واسع المعرفة، متنوع الثقافة التوراتية والإنجيلية، يعرف الكتابة كما في مسند أحمد:- (كنا قعودا نكتب ما نسمع)،- كما يعرف القراءة إذ يقول لصديقه: أفاأقرأ التوراة),- وفي تاريخ دمشق وسير الأعلام وغيرهما قول كعب الأحبار:- (ما رأيت أحدا لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة),-
↵ والأرجح في أن أصول أبي هريرة ترجع فارسية, فالأحاديث التي جاءت عنه من تقويل رسول الله كخ كخ بالفارسية, وتشتكي بطنك بالفارسية, ولو كان الإيمان بالثريا لناله رجل من فارس, مع تذكير العرب بأن أمهم هاجر كانت خادمة عند سارة (نلك أمكم يا بني ماء السماء), وحديثه المشهور: (ويل للعرب، من شر قد اقترب),- مؤشرات تخبر بأن أبا هريرة كان قبل مجيئه المدينة قسا نصرانيا ذا أصول فارسية,-
◄ وأبي هريرة منذ دخوله المدينة بعد غزوة خيبر، وحتى بعثه الرسول إلى البحرين مؤذنا مع العلاء بن الحضرمي، في ذي القعدة من السنة الثامنة من الهجرة،- يعني أن تواجد أبي هريرة في القسم الأول من حياته بالمدينة سنة واحدة وتسعة أشهر، ثم غادرها إلى البحرين,- وكانت وفاة الرسول في ربيع الأول سنة 11 هـ,- ولم نجد في كتب التأريخ ذكرا لتاريخ عودة أبي هريرة من البحرين في حياة الرسول,- جاء عن أبي هريرة في صحيح البخاري:- (صحبت رسول الله ثلاث سنين),- وبافتراض صحة الرواية فإن الفترة ما بين المحرم سنة سبع حيث وطأت قدما أبي هريرة المدينة وبين وفاة الرسول في ربيع الأول سنة 11 هـ. هي أربع سنوات وثلاثة أشهر, وهذا يعني بأن مكوث أبي هريرة في البحرين مع العلاء سنة واحدة وثلاثة أشهر... وعلى ذلك فإن غياب أبي هريرة عن المدينة كان ما بين ذي القعدة سنة ثمان وحتى ربيع الأول من السنة العاشرة,- والباحث عن حقيقة المدة الزمنية التي قضاها أبو هريرة في ظل النبوة، أمامه تساؤلات لا يجد لها جوابا: لماذا ترك أبو هريرة البحرين ومتى، وهل تركها فعلا قبل وفاة الرسول.؟,- وكون التحقيق في قضية مكوث أبي هريرة مع الرسول لا يستند إلى معلومات رقمية تاريخية ثابتة، فيبقى الأمر محيرا كالحيرة في اسم أبي هريرة الحقيقي الذي لم يتفق عليه حتى الآن، فاصطلحوا على أن يكون عبد الرحمن بن صخر، وهذا الاصطلاح محير أيضا، بسبب كلمة (الرحمن), فهل كان الناس في اليمن قبل الإسلام يسمون أبناءهم عبد الرحمن.؟. وما علينا، أخيرا إلا أن نقول ما قاله أبو هريرة بأنه صحب رسول الله ثلاث سنين,- وهذه الفترة من صحبته كانت مزدحمة بالأحداث كفتح مكة والغزوات المختلفة التي تلتها، كحنين وتبوك والطائف, بالإضافة إلى حجة الوداع.. مما لا تتيح له التفرغ والجلوس لرسول الله مثلما كان يجلس السابقون في مكة والذين تفرغ لهم تفرغا تاما,- فأبا هريرة لم يكن من الصحابة السابقين، ولا من الذين اكتفوا بالتلمذة على رسول الله.. بل كان تلميذا نجيبا لغيره، وخاصة لكعب الأحبار,-
◄ ولو حقا كان أبي هريرة ملازما للرسول لتكرر اسمه كثيرا في التاريخ والسير، وبالأحداث الفاعلة لا بالأقوال والروايات,- ففي السيرة لا وجود لأبي هريرة إلا ما ندر,- وهو لم يلاقي مرارة الصابرين من المهاجرين والأنصار ولم يشارك المسلمين في أي غزوة من الغزوات،- بل جاء في الفترة التي قوي فيها الإسلام، مع معرفته وسماعه برسول الله، ومع ذلك لم يسلم حتى انتشرت بين قبائل العرب انتصارات المسلمين: ((يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا))الأحزاب20،- فكل الجزيرة العربية كانت تسمع أخبار رسول الله مع قومه، وتنتظر النتيجة, وعندما صارت النتيجة في صالح الإسلام، وذلك بعد صلح الحديبية، وانتصر المسلمون في خيبر الممتلئة بالثروات، بدأت الوفود تتوافد رغبة ورهبة.. رغبة في أن تنال من تلك المكاسب، ورهبة من أن تصل إليها جيوش المسلمين,- وكان من بين تلك الوفود وفود اليمن.. وكان من بينهم أبو هريرة,- من صحيح البخاري:- (عن أبي هريرة قال أتيت رسول الله وهو بخيبر بعد ما افتتحوها فقلت يا رسول الله أسهم لي فقال بعض بني سعيد بن العاص لا تسهم له يا رسول الله فقال أبو هريرة هذا قاتل ابن قوقل فقال ابن سعيد بن العاص واعجبا لوبر تدلى علينا من قدوم ضأن ينعى عليَّ قتل رجل مسلم أكرمه الله على يدي ولم يهني على يديه قال فلا أدري أسهم له أم لم يسهم له),- وهذا الحديث الخطير ينبئ عن معاني كثيرة في شخصية أبي هريرة، وأولها، وأخطرها أنه كان يسمع بالإسلام وبما يتعرض له المسلمون من صنوف الأذى، ولكنه لم يحضر ـ كما فعل الكثير من الصادقين من أمثال أبي ذر وغيره ـ حتى فتحت خيبر، فجاء يطالب بقسمة له فيها,- وهذا السؤال يدل على أنه يحمل ذاتاً واعية ونفسية حُبِّ المال، حتى ولو كان هذا الطلب دون وجهة نظر مقبولة في أعراف ذلك الزمن باعتبار عدم مساهمة أبي هريرة في افتتاح خيبر,- وزامن طلب أبو هريرة وجود أَبَانَ بْنَ سَعِيدٍ بن العاص بن أمية، وكان أبانُ قد قتل قبل أن يُسلم رجلا من الأنصار هو ابنَ قوقل الأوسي، ولا أعلمُ كيف علم أبو هريرة بقتل أبان لابن قوقل، إذ لم يزل وجودُهُ غَضَّاً في أرض خيبر، إلا بورود أخبار الرسول اليه وهو في اليمن,- ولم يرضَ أبانُ في تدخل أبي هريرة فيما لا يعنيه، فرد على أبي هريرة أقبح الرد مستهجنا ذكره ابن قوقل، وقد شبه أبا هريرة بالوبْر الذى لا خطب له ولا مقدار؛ وقد أقصى أبانُ أبا هريرة عن ممارسته تهييج النفوس ولم يزل في يومه الأول بأرض خيبر، حينما ذكّر أبو هريرة بمقتل ابن قوقل، فلهذا تابع أبانُ الرد قائلا: (لقد أكرمه الله على يدي ولم يهني على يديه),-
◄ ولم نجد أبا هريرة يُظهِر إسلامه في الروايات أمام أحد، ولم يرو عن إسلامه شيئا، وإنما وجدناه أول ما وجدناه مع الرسول بعد الانتهاء من خيبر,- من صحيح مسلم:- (أن أبو هريرة قال كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة فدعوتها يوما فأسمعتني في رسول الله ما أكره فأتيت رسول الله وأنا أبكي قلت يا رسول الله إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى علي فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة فقال رسول الله اللهم اهد أم أبي هريرة فخرجت مستبشرا بدعوة نبي الله فلما جئت فصرت إلى الباب فإذا هو مجاف فسمعت أمي خشف قدمي فقالت مكانك يا أبا هريرة وسمعت خضخضة الماء قال فاغتسلت ولبست درعها وعجلت عن خمارها ففتحت الباب ثم قالت يا أبا هريرة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله قال فرجعت إلى رسول الله فأتيته وأنا أبكي من الفرح قال قلت يا رسول الله أبشر قد استجاب الله دعوتك وهدى أم أبي هريرة فحمد الله وأثنى عليه وقال خيرا قال قلت يا رسول الله ادع الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين ويحببهم إلينا قال فقال رسول الله اللهم حبب عبيدك هذا يعني أبا هريرة وأمه إلى عبادك المؤمنين وحبب إليهم المؤمنين فما خلق مؤمن يسمع بي ولا يراني إلا أحبني),-
↵ وفي هذه الرواية أتقن قاص المدينة أبو هريرة صياغة قصة أمه وإسلامها، وأتقن سبكها سباكة تفاعلية،- ثم إنك لتستغرب، أهذا الذي عاش الصفة ومسكنتها والجوع وبأساءه، وآلام الاندماج في مجتمع جديد، ليستطيع إخراج قصة رائعة، عن أم له مخبأة لا يعرف عنها أحد شيئا، تشتم محمدا ثم تؤمن به في نفس لحظة طلب الدعاء لها، في حين لم نجد أبا هريرة يذكر عن وفاة أمه شيئا.!,- جاء في (مختصر تاريخ دمشق): وكان سعد بن صفيح خال أبي هريرة من أشد أهل زمانه، فكان لا يأخذ أحداً من قريش إلا قتله بأبي أزيهر الدوسي,- وفي (جمهرة النسب) لابن الكلبي: (وبجير بن العوام، قتله سعد بن صفيح الدوسى خال أبي هريرة بأبي أزيهر. ولقيه باليمامة),-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◄ ولعل من أهم المفاتيح الدالة على شخصية أبي هريرة انضمامه لأهل الصفة في المدينة، على الرغم من كونه في ذلك الحين شابا قادرا على العمل، ولكنه آثر أن يظل في ضيافة المسلمين يأكل على موائدهم، ويتزلف إليهم لينال من طعامهم، وقد ظلت معه هذه الخصلة حتى أوآخر عمره عندما كان يؤثر مائدة معاوية الممتلئة بصنوف الأطعمة على مائدة غيره,- ولم نجد الرسولَ قد آخى بين أبي هريرة وبين أحد، كما فعل بين أبي الدرداء وسلمان الفارسي، كما لم نجد أن أبا هريرة قد قام بأي عمل يسد به احتياجاته اليومية، مثل بقية الصحابة، ورجل في شرخ الشباب لا يعاني من مرض ولكنه لا يعمل رجل إما أنه كان يعيش في طبقة اجتماعية مخدومة رفيعة المستوى يأتيها رزقها رفاها دون عناء، أو أنه فاقد الشهامة لمن فوقه، أو أنه لا يريد الافصاح عما كان يشغل حياته,- قال ـ يصف حادثة من الحوادث كما في صحيح البخاري:- (ألله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر ولم يفعل ثم مر بي عمر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني فمر فلم يفعل ثم مر بي أبو القاسم فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي وما في وجهي ثم قال يا أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال الحق ومضى فتبعته فدخل فاستأذن فأذن لي فدخل فوجد لبنا في قدح فقال من أين هذا اللبن قالوا أهداه لك فلان أو فلانة قال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي قال وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد إذا أتته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئا وإذا أتته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشركهم فيها فساءني ذلك فقلت وما هذا اللبن في أهل الصفة كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها فإذا جاء أمرني فكنت أنا أعطيهم وما عسى أن يبلغني من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بد فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم وأخذوا مجالسهم من البيت قال يا أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال خذ فأعطهم قال فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد علي القدح حتى انتهيت إلى النبي وقد روي القوم كلهم فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم فقال أبا هر قلت لبيك يا رسول الله قال بقيت أنا وأنت قلت صدقت يا رسول الله قال اقعد فاشرب فقعدت فشربت فقال اشرب فشربت فما زال يقول اشرب حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكا قال فأرني فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة),-
• ومن صحيح البخاري:- (كنا عند أبي هريرة وعليه ثوبان ممشقان من كتان فتمخط فقال بخ بخ أبو هريرة يتمخط في الكتان لقد رأيتني وإني لأخر فيما بين منبر رسول الله إلى حجرة عائشة مغشيا علي فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون وما بي من جنون ما بي إلا الجوع),- ومن صحيح البخاري:- (لقد رأيت سبعين من أصحاب الصفة ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء قد ربطوا في أعناقهم فمنها ما يبلغ نصف الساقين ومنها ما يبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهية أن ترى عورته),-
• ومن صحيح البخاري:- (أصابني جهد شديد فلقيت عمر بن الخطاب فاستقرأته آية من كتاب الله فدخل داره وفتحها علي فمشيت غير بعيد فخررت لوجهي من الجهد والجوع فإذا رسول الله قائم على رأسي فقال يا أبا هريرة فقلت لبيك رسول الله وسعديك فأخذ بيدي فأقامني وعرف الذي بي فانطلق بي إلى رحله فأمر لي بعس من لبن فشربت منه ثم قال عد يا أبا هر فعدت فشربت ثم قال عد فعدت فشربت حتى استوى بطني فصار كالقدح قال فلقيت عمر وذكرت له الذي كان من أمري وقلت له فولى الله ذلك من كان أحق به منك يا عمر والله لقد استقرأتك الآية ولأنا أقرأ لها منك قال عمر والله لأن أكون أدخلتك أحب إلي من أن يكون لي مثل حمر النعم),-
↵ وفي أكثر من مرة نجد أبا هريرة يخر على وجهه من الجهد والجوع غير بعيد عن بيت عمر، ذلك لأن عمر، فيما نراه، وقف في وجه أبي هريرة يمنعه من التحديث، مهددا إياه إن هو حدث,- ففي صحيح مسلم نجد عمر بن الخطاب يرمي أبا هريرة على استه ليمنعه من تنفيذ أمر الرسول.؟: (فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين ثديي ضربة خررت لاستي ..),-
• وما قاله أبو هريرة لعمر: (والله لقد استقرأتك الآية ولأنا أقرأ لها منك),- فتلك جرأة كامنة, وعندما يجابه أبو هريرة وهو حيٌّ عمرا وهو ميت فذاك تعويض نفسي داخلي,- وقد صاحب عمر جميع مراحل الدعوة الإسلامية غضة منذ نشأتها، وعاش أبو هريرة في ظل النبوة عُشْرَ ما عاش الفاروق، وقُتِل الفاروق وهو يقرأ القرآن في صلاة الصبح. ثم يأتي وبر تدلى علينا من قدوم ضأن يتطاول على الفاروق يقول له: أنا أقرأ للقرآن منك.!؟,- ثم من هو الجائي الذي يجيء فيضع رجله على عنق أبي هريرة. الجائع؟ من دون كل الصحابة غير الجائعين، وخاصة في ذات المكان الذي يصفه أبو هريرة بأنه روضة من رياض الجنة كما في صحيح البخاري:- (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة),- وأقوال أبي هريرة فيها إهانة كبيرة لكبار الصحابة السابقين، فهو يصور لا مبالاتهم بجوعه وفقره، وحجره المعصب على بطنه، مع كونه من المسلمين الجدد الذين يحرصون على تثبيت الإيمان في قلوبهم بكل ما يتطلبه التثبيت من واجبات,- وأبو هريرة واحد من أهل الصفة، أولئك الذين يُقدَّم لهم من الغذاء ما يشد أودهم ويكفيهم العيش، دون أن يخر واحد منهم على وجهه من الجهد والجوع. فقد أغنى الله رسوله,- وقد جر ذلك الاهتمام الشديد من أبي هريرة بحاجاته الشخصية إلى تصنيف الصحابة بحسب اهتمامهم به, فقد كان يقول كما في سنن الترمذي:- (ما احتذى النعال، ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله أفضل من جعفر بن أبى طالب),- وقد ذكر سبب ذلك، كما في صحيح البخاري.- بقوله: (وإني كنت ألزم رسول الله بشبع بطني حتى لا آكل الخمير ولا ألبس الحبير ولا يخدمني فلان ولا فلانة وكنت ألصق بطني بالحصباء من الجوع وإن كنت لأستقرئ الرجل الآية هي معي كي ينقلب بي فيطعمني وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها)،-
↵ وعلى نقيض ذلك يروي أبي هريرة كما في صحيح البخاري عن الرسول:- (والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه),- ويروي كما في صحيح البخاري:- (ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان ولا اللقمة ولا اللقمتان إنما المسكين الذي يتعفف واقرءوا إن شئتم يعني قوله لا يسألون الناس إلحافا),- ولكن أبا هريرة كان يقعد في طريقهم ليطعموه,-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◄ وبعد وفاة عمر أخذت شخصية أبي هريرة أبعادها الحقيقية الحرة حين كان الوضع سائبا يحدث من شاء بما شاء,- فجاءت روايات كثيرة عن الصحابة تتهم أبو هريرة بالكذب على رسول الله، وقد صرح هو بذلك كما في صحيح مسلم:- (ألا إنكم تحدثون أني أكذب على رسول الله لتهتدوا وأضل),- فقد اتهمه عمر بن الخطاب مبكرا في أمانته, أضافه إلى اتهامه في صدقه، بل هدده بتسليط العقوبة عليه إن حدث عن رسول الله .. ولهذا قلت روايته في عهده، فقد قال عمر لأبي هريرة كما في سير الأعلام:- (لتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس),- وفيه كذلك: (أن أبا هريرة كان يقول إني لأحدث أحاديث لو تكلمت بها في زمن عمر لشج رأسي),- وهذا ما أشار إليه أبو هريرة بقوله، كما في السير كذلك:- (ما كنا نستطيع أن نقول قال رسول الله حتى قبض عمر كنا نخاف السياط),- من صحيح البخاري, لأبي هريرة:- (قال آمنت به أنا وأبو بكر وعمر قال أبو سلمة وما هما يومئذ في القوم),- ومن صحيح البخاري:- (صلى بنا النبي الظهر ركعتين ثم سلم ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد ووضع يده عليها وفي القوم يومئذ أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه),- مما يشير إلى أن تحديث أبي هريرة لهذين الحديثين، ولمعظم أحاديثه، لم يكن في عهد أبي بكر ولا عمر,- ولقد اتفق المؤرخون لأبي هريرة أن عمر حين ولاه على البحرين سنة 21هـ، بلغته عنه أشياء تخل بأمانة الوالي، فعزله وولى مكانه عثمان بن أبي العاص,- فقد روي أنه قدم بعشرة آلاف، وهو مبلغ ضخم جدا في ذلك الحين، فقال له عمر: استأثرت بهذه الأموال يا عدو الله وعدو كتابه؟ فقال أبو هريرة: لست بعدو الله وعدو كتابه، ولكني عدو من عاداهما، فقال له عمر: فمن أين هي لك؟ قال أبو هريرة: خيل نتجت، وغلة رقيق لي، وأعطية تتابعت علي),- كما جاء في سير الأعلام وتاريخ دمشق والطبقات, وغيرها,-
• وجاء في صحيح البخاري, قول عائشة، لعروة بن الزبير:- (ألا يعجبك أبو فلان "تعني أبي هريرة" جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله يسمعني ذلك وكنت أسبح فقام قبل أن أقضي سبحتي ولو أدركته لرددت عليه إن رسول الله لم يكن يسرد الحديث كسردكم),- وعائشة قد اعترضت عليه مرارا في رواياته,- نجد في فتح الباري لأبن حجر:- (أنها دعت أبا هريرة، فقالت له: يا أبا هريرة، ما هذه الأحاديث التي تبلغنا أنك تحدث بها عن النبي، هل سمعت إلاّ ما سمعنا؟ وهل رأيت إلاّ ما رأينا؟ قال: يا أماه، إنه كان يشغلك عن رسول الله المرآة والمكحلة، والتصنع لرسول الله، وإني والله ما كان يشغلني عنه شيء),- بل إنها أنكرت عليه إنكارا شديدا فيما رواه مسلم:- (يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب),- حيث ردت عليه بقولها كما في صحيح البخاري:- (قد شبهتمونا بالحمير والكلاب. والله لقد رأيت رسول الله يصلي وإني على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة، فتبدو لي الحاجة، فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله فأنسل من عند رجليه),- وردت عليه قوله: (إنما الطيرة في المرأة، والدابة، والدار), بغضب شديد، وصفه الراوي بقوله: (فطارت شقة منها في السماء، وشقة في الأرض)، ثم قالت: (والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن نبي الله كان يقول: (كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابة، ثم قرأت عائشة: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾)رواه أحمد وغيره,- وكذلك في مسند أحمد:- (عن علقمة قال كنا عند عائشة فدخل أبو هريرة فقالت أنت الذي تحدث أن امرأة عذبت في هرة لها ربطتها فلم تطعمها ولم تسقها فقال سمعته منه يعني النبي. فقالت هل تدري ما كانت المرأة؟ إن المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، وإن المؤمن أكرم على الله عز وجل من أن يعذبه في هرة. فإذا حدثت عن رسول الله فانظر كيف تحدث),-
↵ وعند البخاري في صحيحه:- (حُدث ابن عمر أن أبا هريرة يقول: من تبع جنازة فله قيراط، فقال: أكثر أبو هريرة علينا),- والغريب أن عائشة صدقت قول أبو هريرة, في رواية أخرى قد تكون بفعل راوي يرغب في تلميع صورة أبو هريرة,- وفي حديث: من أصبح جنبا فلا صيام له، كما في صحيح مسلم:- (فقال أبو هريرة أهما قالتاه لك قال نعم قال هما أعلم ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس فقال أبو هريرة سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي قال فرجع أبو هريرة عما كان يقول في ذلك),- وعند البخاري في صحيحه:- (فذكر قول عائشة وأم سلمة فقال كذلك حدثني الفضل بن عباس وهن أعلم),- فنقض أبو هريرة قسمه برب هذا البيت, كما جاء في مسند أحمد:- (ورب هذا البيت ما أنا نهيت عن صيام يوم الجمعة ولكن محمد نهى عنه ورب هذا البيت ما أنا قلت من أدركه الصبح جنبا فليفطر ولكن رسول الله قاله),- وفي سنن أبو داود وغيره:- (إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه فقال له مروان بن الحكم أما يجزئ أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع على يمينه قال عبيد الله في حديثه قال لا قال فبلغ ذلك ابن عمر فقال أكثر أبو هريرة على نفسه قال فقيل لابن عمر هل تنكر شيئا مما يقول قال لا ولكنه اجترأ وجبنا قال فبلغ ذلك أبا هريرة قال فما ذنبي إن كنت حفظت ونسوا),-
↵ وشمل الإنكار كثيرا من الصحابة السابقين، ومنهم الزبير بن العوام الذي قال واصفا رواية أبي هريرة للحديث: (صدق كذب، صدق كذب)، فسأله ابنه عن معنى كلامه؟ فقال: (أمّا أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله فلا شكّ، ولكن منها ما وضعه على مواضعه، ومنها ما لم يضعه على مواضعه), كما في تاريخ دمشق، والبداية والنهاية,- وورد النص الصريح بتكذيب سعد بن أبي وقاص، لأبي هريرة, فقد نقل ابن عساكر في تاريخ دمشق رد سعد لروايته، فقال: (حدث أبو هريرة، فرد عليه سعد فتواثبا حتى قامت الحجزة، وأرتجت الأبواب بينهما),- بل إنه شمل الكثير من التابعين ومن بعدهم، وقد عبر عن ذلك إبراهيم النخعي وهو من كبار التابعين، فقال:- (كانوا يتركون أشياء من أحاديث أبي هريرة)العلل، لأبن حنبل,- وفي تاريخ دمشق:- (كانوا يرون في أحاديث أبي هريرة شيئاً),- وفي كتاب التمييز لمسلم:- (قال لنا بسر بن سعيد اتقوا الله وتحفظوا من الحديث،، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله),- ومن صحيح البخاري:- (وعن الزهري قال حدثني أنس بن مالك أن رسول الله قال لا تنتبذوا في الدباء ولا في المزفت وكان أبو هريرة يلحق معها الحنتم والنقير),-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◄ وأبي هريرة على إثر ذلك يبرر الإكثار والوعاء:- من صحيح البخاري:- (يقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث والله الموعد ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدثون مثل أحاديثه وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق وإن إخوتي من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم وكنت امرأ مسكينا ألزم رسول الله على ملء بطني فأحضر حين يغيبون وأعي حين ينسون وقال النبي يوما لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالتي شيئا أبدا فبسطت نمرة ليس علي ثوب غيرها حتى قضى النبي مقالته ثم جمعتها إلى صدري فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم شيئا أبدا إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى إلى قوله الرحيم),-
↵ أما إكثار الحديث عن أبي هريرة فواقع لا ريب فيه، بل الشك في رواياته وتكذيبه, كما تقدم,- من صحيح البخاري:- (عن أبي هريرة ما من أصحاب النبي أحد أكثر حديثا عنه مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب),- وهذا قول يعارضه الواقع وتعارضه الأرقام ويوحي بأن له أهدافا أخرى, وقد ورد معنا كون أبي هريرة يكتب، ويقرأ التوراة.!- ويبدو بأن أبا هريرة رغب أن لا يلاحقه (الاكثار) فيكون وصفا يلازمه، فجعل من عبد الله بن عمرو، عكازة يتعكز عليها في إكثاره، أو دريئة تدفع عنه تهمة الإكثار,- من صحيح البخاري:- (يقول الناس أكثر أبو هريرة فلقيت رجلا فقلت بما قرأ رسول الله البارحة في العتمة فقال لا أدري فقلت لم تشهدها قال بلى قلت لكن أنا أدري قرأ سورة كذا وكذا),- والإحصاء العلمي يشهد بأن أبا هريرة قد ضارع الخلفاء الأربعة مجتمعين بروايته الحديث رغم قصر المدة,- وهو الأكثر رواية من بين أكثر من ألف صحابي، رغم الثلاث سنوات التي عاشها في عهد النبوة، وليس الإكثار في رواية الأحاديث فقط, بل الإكثار من الرواية للحديث الواحد ذي الموضوع الواحد، عن طريق توزيعه على عدد كبير جدا من التلاميذ، والإكثار من الرواية لعدد كبير جدا من المواضيع،-
↵ وأما قوله: (فأحضر حين يغيبون),- فلم نجد عبارة بين العبارتين تنص على: "وأغيب حين يحضرون" ؟,- وهل للمهاجرين والأنصار مجلس عام مع الرسول، ولأبي هريرة مجلس خاص بمفرده،؟،- من صحيح البخاري, عن عمر بن الخطاب:- (إني كنت وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة وكنا نتناوب النزول على النبي فينزل يوما وأنزل يوما فإذا نزلت جئته من خبر ذلك اليوم من الأمر وغيره وإذا نزل فعل مثله),- وهكذا فقد وفق عمر، كما وفق الأنصاري، بين عملهما للحصول على رزقهما وبين التماس العلم من رسول الله، ولم يعقد لأي من المهاجرين أو الأنصار مجلسا خاصا به,-
↵ وأما قول: (لن يبسط أحد منكم ثوبه.),- تدل على أن أبا هريرة لم يكن وحده في المجلس، فكيف تأتي عبارة: (فأحضر حين يغيبون), وفي نفس الرواية.؟, ولماذا لم يبسط أحد من الحاضرين ثوبه إلا أبا هريرة.؟,- من صحيح البخاري:- (عن أبي هريرة قال قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه قال ابسط رداءك فبسطته قال فغرف بيديه ثم قال ضمه فضممته فما نسيت شيئا بعده),- وهذه الرواية تختلف عما جاء في الرواية السابقة من صحيح البخاري:- (وقال النبي يوما لن يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعه ..),- وكلا الرويتان لراو واحد، أبو هريرة، الذي لا ينسى أبدا، بدعاء الرسول، كما ورد في المتن، فما سبب نسيان التالي: (قال النبي يوما/ قلت يا رسول الله إني أسمع منك حديثا كثيرا أنساه),- فهل قال، أم قلت.؟,- وهل الرسول قد طلب بسط الرداء أمام الناس أم أمام أبي هريرة فقط.؟,- وموضوع عدم النسيان ضد طبيعة الإنسان، المخلوق، والخالق هو من لا ينسى,- والتزام أبي هريرة وعدم نسيانه يعنيان أن تأتي الأحاديث التي يرويها كلها على حروفها: متطابقة، وعلى السماع، لا مختلفة وعلى العنعنة،-
◄ واتهام البريء يتم غالبا من خلال تغييب الشهود: والساحر المتهم هنا هو الرسول الذي يتهمه أبو هريرة بممارسة السحر!, أما الناس الشهود فلا يمكن لأي إنسان معرفة واحد منهم أبدا،- وأدوات السحر هي: ثوب ممدود، وأقوال تُقال فوق الثوب، ولا ندري ماهي مقالة "الرسول" وما نصها, فإن كانت المقالة دعاء فما هو هذا الدعاء.؟ ألم يسمع أبو هريرة المقالة,؟ ألم يحفظها.؟ أنسيها.؟ أم هي تمتمة سر من الأسرار.؟ ألم يقل الراوي أنه لم ينسى أبدا؟,- وبعد أن يتم إشباع الثوب بالمقولة ينتهي "الرسول" من سحره، فيرد أبو هريرة الثوب إلى صدره، وينتهي الأمر، فلا ينسى أبو هريرة بعد ذلك أبدا...,- ويبدو كما تكرر سابقا بأن أبا هريرة رغب أن لا تلاحقه تهمة (الاكثار) فيكون وصفا يلازمه، فجعل من السحر دريئة تدفع عنه تهمة الإكثار وتجعل منه راوية الإسلام، دون غيره، لتميزه عن غيره بكونه لا ينسى أبدا,- ولم نجد الرسولَ قد مارس هذه الشعوذة مع أحد من الصحابة كعلي أو عبد الرحمن أو سعد أو عمر أو أبي بكر، إلا مع أبي هريرة وبمعزل عن أي شاهد.. شعوذة لم تصل للمسلمين إلا عن طريق المشعوذ عليه,- أما كان أولى برسول الله، أن يفعل لنفسه ما فعله لأبي هريرة فلا ينسى شيئا؟،- جاء في صحيح البخاري:- (ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني),- وفي رواية لأبي هريرة في صحيح البخاري:- (أقيمت الصلاة وعدلت الصفوف قياما فخرج إلينا رسول الله فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب فقال لنا مكانكم ثم رجع فاغتسل ثم خرج إلينا ورأسه يقطر فكبر فصلينا معه),-
↵ وأما قوله: (فوالذي بعثه بالحق ما نسيت من مقالته تلك إلى يومي هذا),- فحسنا إذا: ما هي المقالة التي كان يقولها على الثوب؟ وأمام من؟ ومن كان من الموجودين؟ وفي أي مكان كانت المقالة.؟,- القضية ليست قضية أيمان وقسم وحلفان.. القضية قضية حقائق ووقائع,- ناهيك عن استدرار العاطفة في الحكاية الشعبية من كون الراوي مسكينا لا يملك إلا مئزرا عليه.. ثم إنه لأفضل من المهاجرين والأنصار معا,- من صحيح البخاري عن أبي هريرة:- (قلت: يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فقال: (لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث. أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إلا الله خالصا من قبل نفسه),- وفي هذا الحديث يضع أبو هريرة نفسه في المحل الأول من الصحابة الحريصين على تعلم أحكام الدين، مع كونه جاء متأخرا جدا، وفي فترة مليئة بالأحداث الخطيرة التي مرت بها الدعوة الإسلامية، والتي دلت الوقائع التاريخية على أن المهاجرين والأنصار كانوا ألصق فيها برسول الله من ظله,- بل إنه يدعي أن رسول الله خصه من دون الصحابة، وخصوصا الفقراء منهم، بكيس عجيب من الطعام لا ينفذ، فقد روى الترمذي واحمد عنه قوله:- (أتيت النبي بتمرات، فقلت: يا رسول الله: ادع الله فيهن بالبركة، فضمهن، ثم دعا لي فيهن بالبركة، وقال: (خذهن واجعلهن في مزودك هذا، أو في هذا المزود، كلما أردت أن تأخذ منه شيئاً، فأدخل فيه يدك، فخذه ولا تنثره نثرا)، وقد ذكر أبو هريرة أنه ظلّ يأكل من ذلك التمر زماناً طويلاً، واستمرّ حتى يوم مقتل عثمان),-
↵ وأما قوله: (والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثتكم شيئا أبدا: (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى إلى قوله الرحيم)),- فقد خالف قوله هذا وكتم ولم يحدث وخالف كتاب الله, فمن صحيح البخاري, قوله:- (حفظت من رسول الله وعاءين فأما أحدهما فبثثته وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم),- ومن مسند أحمد:- (قيل لأبي هريرة أكثرت أكثرت قال فلو حدثتكم بكل ما سمعت من النبي لرميتموني بالقَشْع ولما ناظرتموني),- فإذا كان الوعاء الثاني عن الرسول وعاء حقيقي، ثم لم يقم أبو هريرة ببثه، فهذا يعني خيانة الأمانة في دين الإسلام بل والشك في كل ما بثه في وعائه الأول,-
↵ فأبي هريرة رجل صحب النبي سنتين أو ثلاثاً يروي أكثر من ثلاثة آلاف حديث، وسعد بن أبي وقاص صحب النبي 23 سنة يروي فوق المئة فقط، والطلاب هم الطلاب، وكلاهما مدنيان، وسنة الوفاة واحدة، وسعد من أول من أسلموا، وأبو هريرة من آخر من أسلمو.. وليس معروفاً عن سعد أنه يمتنع عن الحديث، فلماذا انهال رواة التابعين على أبي هريرة وتركوا سعد بن أبي وقاص البدري؟,- (هل هو الرضا السياسي),- سعد بن أبي وقاص كان يعاند سياسة معاوية، وينكر عليه، ويذكره بفضائل علي ويمتنع من سبه، فموقفه السياسي قلل رواته وأحاديثه بعكس أبي هريرة,- ومثله أسماء بنت أبي بكر من السابقين الأولين في الإسلام وأخر المهاجرات وفاةً 73 هـ حتى بلغ عمرها مائة سنة, أبنة ابو بكر وأخت أم المؤمنين عائشة وأخوها عبدالرحمن وزوجها الزبير بن العوام وابنائها عبدالله وعروة, وغيرهم من المقربين من رسول الله, وعلى ذلك ورد عنها روايات قليلة, في البخاري ومسلم لها إثنان وعشرون حديثًا. فهل يعقل ذلك؟!,- ومثله أبو حميد الساعدي الذي توفي (بعد عام 60 هـ)، بعد أبي هريرة بثلاث سنوات، وسبقه إلى الإسلام، بل كان من البدريين، ومع ذلك لم يرووا عنه سوى ثلاثة أحاديث.. فهل يعقل أن يصحب رجل رسول الله كل تلك المدة، ويرى بدرا وأحدا والأحزاب، وغيرها كثير، ومع ذلك لا يروي إلا ثلاثة أحاديث.؟,- ومثله أم سلمة زوج النبي- التي توفيت بعد أبي هريرة بأربع سنوات (سنة 61 هـ)، ومع ذلك لم ترو سوى 158حديثا.. مع أنها كانت من السابقين للإسلام، وهاجرت للحبشة، ثم عادت مع زوجها أبي سلمة، وتحاصرا في الشعب مع بني هاشم، وسبب ذلك التقصير في الرواية عنها هو موقفها المتشدد من معاوية,- ومثله صالح شقران مولى النبي الذي توفي بعد أبي هريرة بثلاثة عشر عاماً (توفي عام 70 هـ)، ومع ذلك لم يرووا عنه سوى حديث واحد فقط، رغم أنه بدري، ومولى للنبي، والمولى أقرب من غيره, وسبب ذلك بسيط، وهو أن صالحا كان قد قاتل مع علي بصفين، وكل ذلك ساهم في إماتة حديثه وسيرته، وكل تلامذة أبي هريرة بقوا في المدينة، وقد انقطع حديث أبي هريرة بموته، فلماذا لم يبحثوا عن صحابة كشقران؟
↵ وأكثر الروايات الواردة عن أبي هريرة رواها أبو سلمة بن عبد الرحمن، وكان مقربا لمعاوية، بل كان يعمل شرطياً وقاضياً لمعاوية ومروان. وقد روى من حديث أبي هريرة أكثر من سعيد بن المسيب على الرغم من كونه صهرا لأبي هريرة، ومع أنه أقدم صحبة لأبي هريرة منه، وماتا في سنة واحدة (94هـ), وسبب ذلك بسيط، وهو سعيد بن المسيب لم يكن مقربا من معاوية، بل كان يدعو على بني مروان في سجوده،-
• وعلى خلاف سعيد بن المسيب نرى الزهري يشتهر أكثر من غيره من التلامذة, وذلك أن الزهري كان مقربا، بل (عمل في بلاط عبد الملك ثم الوليد ثم سليمان ثم يزيد بن عبد الملك ثم هشام، وكتب حديثه في بلاط هشام بن عبد الملك، ورواته موالي هشام.. ونصف الحديث في الكتب الستة يكاد يكون عن الزهري وتلامذته كشعيب بن أبي حمزة ويونس بن يزيد الأيلي وعقيل بن خالد (كلهم موالي لبني أمية),-
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
◄ ولقد عوّدنا أبو هريرة أن نسمع عنه أحداثا لم يحضرها، في مكة قبل الهجرة والأيام الأولى من الهجرة,- ومع ذلك فقد ساهم بروايات لا تحصى, بل من كثرها والتشكيك في سماعها قال البخاري في صحيحه:- (وقال أبو هريرة صليت مع النبي غزوة نجد صلاة الخوف؛ وإنما جاء أبو هريرة إلى النبي أيام خيبر),- وقولهم تدليس الصحابة كثير ولا عيب فيه فتدليسهم عن صاحب أكبر منهم والصحابة كلهم عدول, قولا لا يستقيم,- فأبا هريرة لا يروي فقط أقوالا، بل يضيف إليها مواقف حصلت له، مع أنها لم تحصل.. فهو يصدر معظم رواياته بقوله: قال رسول الله أو سمعت، أو حدثني دون أن يكون سمع من النبي أو تحدث معه.. بل إنه فوق ذلك روى مشاهد كثيرة لم يحضرها، وهذا حال معظم الصحابة,- من صحيح البخاري:- (أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول. تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى من تدعني)، فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول الله؟ قال، لا، هذا من كيس أبي هريرة),- هنا يسوق الحديث من دون بيان ما هو من كيسه، وما هو من عند رسول الله، إلا إذا سأل!,- ومن مسند أحمد:- (حدثني قزعة أنه سمع أبا سعيد الخدري يحدث عن رسول الله قال فأعجبني فدنوت منه وكان في نفسي حتى أتيته فقلت أنت سمعت من رسول الله قال فغضب غضبا شديدا قال فأحدث عن رسول الله ما لم أسمعه نعم سمعت رسول الله يقول لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد مسجدي هذا والمسجد الحرام والمسجد الأقصى),- ومن مسند أحمد:- (قال أبو أمامة قال رسول الله لي: «لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله». فقال له خالد: يا أبا أمامة أنت سمعت هذا من رسول الله؟ فقال: اللهم غفراً ، أنت سمعت هذا من رسول الله - بل كنا في قوم ما كذبونا ولا كذبنا),- ومن مسند أحمد:- (عن ثابت البناني قال سألت ابن عمر فقلت أنهي عن نبيذ الجر فقال قد زعموا ذاك فقلت من زعم ذاك النبي قال زعموا ذاك فقلت يا أبا عبد الرحمن أنت سمعته من النبي قال قد زعموا ذاك قال فصرفه الله تعالى عني يومئذ وكان أحدهم إذا سئل أنت سمعته من النبي غضب ثم هم بصاحبه),- ومن مسند أحمد:- (شك عبيد الله بن زياد في الحوض فأرسل إلى زيد بن أرقم فسأله عن الحوض فحدثه حديثا مونقا أعجبه فقال له سمعت هذا من رسول الله قال لا ولكن حدثنيه أخي),- ومن مسند أحمد:- (عن البراء قال ما كل الحديث سمعناه من رسول الله كان يحدثنا أصحابنا عنه كانت تشغلنا عنه رعية الإبل),-
• والرواية بـ(عن) وليس بـ(سمعت) الرسول حدثت في (953 حديثا) من أحاديث البخاري يُضْرَبُ الصفح فيها الصحابي الفلاني فيقول: (عَنْ النَّبِيِّ قَالَ ..),-
↵ ولئن أجيز نقل صحابي عن آخر، دون الدخول بالتفاصيل،- أليس من تقوى الصحابي، أو أقرب للتقوى، أن يذكر عمن نقل.؟,-
◄ ولقد عوّدنا أبو هريرة كذلك أن نسمع: (والذي نفسي بيده) في الحكايات والغرائب،- ولا عبرة في قسم ينطلق مخالفا تعاليم الإسلام, وقد يتخذ المنافقون الأيمان دريئة ليصدوا عن سبيل الله: ((وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ)),- ((اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ)),- كما عوّدنا كذلك على سماع: (اقرأوا إن شئتم..), فكلما أراد أن يؤكد أمرا ذا أهمية لديه بالغة أردفه بـ(اقرأوا إن شئتم..), ومن يتأمل الآيات التي يستدل بها على الروايات التي يسوقها يجدها لا تتضمن ما يتقول به, بل كمن يستقطع جزء من آية ويبني عليها القصص والحكايات,-
↵ وقاص المدينة أبو هريرة، ذو أسلوب قصصي راق جدا ومميز، بل يصح أن نعتبره أول قاص في الإسلام, يعود هذا لرغبته في إرضاء جمهور المحيطين به، الذين يميلون للحكايات والقصص الغريبة التي ترضي الخيال، وإن كانت تتصارع مع العقل,- من صحيح البخاري:- (أخبرني الهيثم بن أبي سنان أنه سمع أبا هريرة وهو يقص في قصصه وهو يذكر رسول الله إن أخا لكم لا يقول الرفث),- ومن صحيح مسلم:- (عن أبي بكر قال سمعت أبا هريرة يقص يقول في قصصه من أدركه الفجر جنبا فلا يصم),- والأسلوب القصصي لا يتناسب مع الموضوعية العلمية، لتطلبه أدوات جذب أذن السامع,- ويتميز الأسلوب القصصي بجنوح هوى نفس القاص وإضفائه ميوله على القصة، وتحرر القاص من الالتزام بالموضوعية كأن يكرر التعبيرات التي تشد أسماع السامعين، بصيغ تشويقية شتى، أو يحذف بعض الجمل أو يُلحق من عنده ما لم يتلقه,- وقصص كثيرة جدا، رواها أبي هريرة، وأكثرها يتعلق بالإسرائيليات الإيمانية، والمستقبليات ضمن باب القصص والحكايات والأمثال,- وأبو هريرة في هذا يشبه ذلك الصحفي اللاهث وراء جمع أكبر قدر من المعلومات المرتبطة بالحادثة التي يريد الحديث عنها من دون التحقق منها، لأن هدفه الوصول إلى الخبر، وإمتاع فضول السامع،- روى في كل شيء تقريبا وساهم في تحريف العقائد الإسلامية، وتقريبها من الأسطورة والخرافة وقيم الجاهلية, والتي كان لها إفرازاتها الخطيرة على المسلمين من قوانين الحياة، وسنن الله في الأكوان والمجتمعات.. كما كان لها إفرازاتها الخطيرة على السلوك الإسلامي,-أبا هريرة بالذات الذي تصدر لرواية حديث رسول الله. فلم يبق مجرد شخص عادي، تحرم غيبته.. بل إنه صار نائبا أو ناطقا رسميا باسم رسول الله,- وهذه الوظيفة الخطيرة التي تولاها وتلك السموم التي تشوه الدين تشويها تاما، لم تترك مجالا من مجالات الدين إلا حرفته عن مساره,-